استئصال الظالمين وحمد الله على إهلاكهم في الأثر ومأثور التفسير:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (ج ١١، ص ٣٨٣)جامع البيانالطبري١١/٣٨٣ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد في قوله تعالى: {فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا}: «دابر الشيء: آخره؛ أي استؤصلوا بالعذاب فلم يبقَ منهم باقية، وأهلكوا عن بكرة أبيهم، ولم يذر الله منهم أحداً».
وفي قوله تعالى: {وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}: أخرج الطبري عن السدي قال: «حمد الله تعالى نفسه على هلاك الظالمين وقضائه بالعدل في خلقه وتطهير الأرض من خبثهم وفسادهم».
وذكر القرطبي في "تفسيره" (ج ٦، ص ٤٢٠)مصدر غير محدد٦/٤٢٠: «فيه دليل على وجوب حمد الله تعالى وشكره عند إهلاك الظالمين والمفسدين، وتطهير بلاد المسلمين من شرهم؛ لأن قطع دابرهم نعمة عظمى على العباد والبلاد».
وذكر ابن كثير (ج ٣، ص ٢٧١)مصدر غير محدد٣/٢٧١: «أي استؤصلوا فلم يبقَ منهم بقية، وحمد تعالى نفسه على عدله في إنزال نقمه بمن كذب رسله وعاند أمره، فله الحمد في الأولى والآخرة».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
فَقُطِعَ
القطع الإبانة والفصل التام بحسم وقوة؛ وبني الفعل للمجهول للدلالة على فخامة الفاعل وجلال قدرته التي أوقعت الفعل.
دَابِرُ
الدابر هو التابع الذي يجيء في الدبر؛ ودابر القوم آخرهم الذي يخلفهم؛ وقطع الدابر كناية عن الاستئصال المحيط الذي لا يترك نسلاً ولا أثراً.
ظَلَمُوا
أشركوا بالله وتعدوا حدوده وطغوا في البلاد.
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
الثناء بالجميل المطلق واستحقاق الشكر كله لله على عدله وإنصافه.
فَقُطِعَ
الفاء عاطفة سببية، قطع ماضٍ مبني للمجهول مبني على الفتح.
دَابِرُ
نائب فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة وهو مضاف.
الْقَوْمِ
مضاف إليه مجرور بالكسرة.
الَّذِينَ
اسم موصول نعت للقوم في محل جر.
ظَلَمُوا
ماضٍ والواو فاعل وجملة ظلموا صلة الموصول لا محل لها.
اللام حرف جر، لفظ الجلالة مجرور باللام، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ.
رَبِّ
نعت للفظ الجلالة مجرور بالكسرة وهو مضاف.
الْعَالَمِينَ
مضاف إليه مجرور بالياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النهاية الحتمية لدوامة الطغيان وتتويج العدالة الإلهية بالحمد المطلق:
خاتمة قاصمة تختم مشهد الأمم العاتية بقرار حاسم؛ فبعد أن بين أخذهم بغتة وهم في سكرة الترف والبطر، صرح هنا بالنتيجة النهائية: استئصال كامل قطع دابرهم واجتث أصولهم؛ ثم عقب مباشرة بجملة الحمد: {وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}؛ ليعلم الوجود كله أن هلاك المفسدين هو مقتضى العدل والرحمة والحكمة، وأن نجاة الأرض من طغيانهم تستوجب الثناء والحمد لرب العالمين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
مشروعية الفرح والحمد بهلاك الظالمين والمفسدين:
قد يظن البعض أن الرحمة تنافي الحمد على هلاك المكذبين واستئصالهم!
والتحقيق الشرعي والحكمي الباهر: أن بقاء الظالمين المفسدين فساد عام للحرث والنسل وإفساد لعقائد الناس وأرزاقهم؛ فاستئصالهم رحمة بالمستضعفين، وحماية للفطرة، وصيانة للكون، وإحقاق لميزان العدل؛ فكان إهلاكهم نعمة جليلة تستوجب الحمد من الله لخلقه، ومن الخلق لربهم؛ فالله يحمد على عدله كما يحمد على فضله ورحمته.
الكناية البليغة في {فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ}: كناية عن الاستئصال الكلي والاجتثاث التام؛ فلم يبقَ أولهم ولا آخرهم، كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار.
التذييل بـ {وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}: براعة مقطع معجزة؛ بعد تصوير مشهد الخراب والدمار يرتفع صوت التحميد ليملأ جنبات الكون، بياناً لأن كل ما يجريه الله في كونه محفوف بالحمد والحكمة التامة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
اليقين المطلق بأن الظلم مؤذن بخراب العمران وانقطاع الدابر، وأن صولة الباطل ساعة وصولة الحق إلى قيام الساعة.
التعبد لله بالحمد والشكر عند زوال الطغاة واندحار الظالمين، واستشعار نعمة العدالة الإلهية التي لا تضيع معها الحقوق.