وفاة النوم واليقظة اليومية كبرهان على البعث في الأثر والسنن:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (ج ١١، ص ٤٣٣)جامع البيانالطبري١١/٤٣٣ وابن أبي حاتم عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ}: «هو النوم، يتوفى أنفسكم في منامكم بالليل، {وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ} أي ما كسبتم واكتسبتم من عمل وجناية وطاعة ومعصية في يقظتكم بالنهار، {ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ} أي يوقظكم في النهار وينشركم من نومكم؛ {لِيُقْضَىٰ أَجَلٌ مُّسَمًّى} وهو الأجل المضروب لعمر الإنسان حتى ينتهي، {ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ} بالموت والقيامة».
وروى البخاري في "صحيحه" (رقم ٦٣١٢)مصدر غير محددحديث رقم ٦٣١٢ ومسلم (رقم ٢٧١١)مصدر غير محددحديث رقم ٢٧١١ عن حذيفة بن اليمان وأبي ذر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استيقظ من نومه قال: «الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور».
وذكر ابن كثير في "تفسيره" (ج ٣، ص ٢٨٥)مصدر غير محدد٣/٢٨٥: «يذكر تعالى أنه المتصرف في عباده في حال يقظتهم ومنامهم؛ فالنوم وفاة صغرى، واليقظة بعث أصغر؛ يشهده العبد كل يوم ليكون دليلاً حسياً قاطعاً على البعث الأكبر يوم القيامة».
الكسب والاكتراف باليد والجوارح؛ ومنه سميت الأعضاء جوارح لأن الإنسان يجرح بها ويكتسب الأعمال.
يَبْعَثُكُمْ
يوقظكم من رقدتكم وينشركم من منامكم.
أَجَلٌ مُّسَمًّى
مدة بقاء الإنسان في الدنيا المقدرة في علم الله المحتوم.
مَرْجِعُكُمْ
مصيركم ومنتهاكم للجزاء والحساب بعد انقضاء الدنيا.
وَهُوَ
الواو عاطفة، هو ضمير منفصل مبتدأ.
الَّذِي
اسم موصول خبر المبتدأ مبني في محل رفع.
يَتَوَفَّاكُم
مضارع مرفوع بضمة مقدرة والفاعل مستتر تقديره هو والكاف مفعول به والميم للجمع، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
بِاللَّيْلِ
جار ومجرور متعلق بيتوفاكم.
وَيَعْلَمُ
الواو عاطفة، يعلم مضارع وفاعله مستتر.
مَا
اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به.
جَرَحْتُم
ماضٍ والتاء فاعل والميم للجمع، والجملة صلة ما.
بِالنَّهَارِ
متعلق بجرحتم.
ثُمَّ
حرف عطف للتراخي الرتبي والزماني.
يَبْعَثُكُمْ
مضارع والفاعل مستتر والكاف مفعول به.
فِيهِ
متعلق بيبعثكم، والضمير يعود على النهار (أي يبعثكم في النهار)، أو في النوم (أي يبعثكم فيه من نومكم).
لِيُقْضَىٰ
اللام لام التعليل، يقضى مضارع مبني للمجهول منصوب بأن مضمرة بعد اللام بفتحة مقدرة للتعذر.
أَجَلٌ
نائب فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
مُّسَمًّى
نعت لأجل مرفوع بضمة مقدرة.
ثُمَّ
حرف عطف.
إِلَيْهِ
جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم.
مَرْجِعُكُمْ
مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة والكاف مضاف إليه والميم للجمع.
ثُمَّ
حرف عطف.
يُنَبِّئُكُم
مضارع والفاعل مستتر والكاف مفعول به والميم للجمع.
بِمَا
الباء حرف جر، ما موصولة أو مصدرية متعلق بينبئكم.
كُنتُمْ
ماضٍ ناقص واسمه التاء.
تَعْمَلُونَ
مضارع والواو فاعل والجملة خبر كنتم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إقامة برهان البعث في الدورة اليومية المتكررة لكل إنسان:
بعد أن قرر إحاطة علمه بالبر والبحر والورقة والحبة، نقل المشهد إلى الإعجاز اليومي الملازم لكل نفس؛ وهو تعاقب النوم واليقظة؛ فالإنسان يموت كل ليلة وفاة صغرى تنقطع بها حواسه وتُقبض روحه، ثم يستيقظ بنفخة الحياة ثانية بإذن ربه ليمارس سعيه حتى يستوفي أجله؛ ثم المرجع النهائي إليه سبحانه؛ فمن تأمل هذا المسار اليومي المتكرر كيف يعتريه شك في البعث الأكبر بعد الموت؟!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
تحقيق دلالة قبض الأرواح في النوم وانفصالها عن البدن:
بين أئمة التحقيق (ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" ج ٤، ص ٢٢٣، وابن القيم في "الروح" ص ٣٤) أن وفاة النوم وفاة حقيقية لكنها مقيدة؛ حيث تفارق الروح البدن مفارقة لا تزيل الحياة العضوية التامة (كالنبض والتنفس)، ولكنها تسلب التمييز والإدراك والحركة الاختيارية؛ فإذا شاء الله إمساكها للموت لم ترجع، وإن شاء ردها أرسلها إلى أجل مسمى؛ وهذا يبرهن عقلياً وحسياً على طلاقة القدرة الإلهية واستقلال الروح عن المادة.
التعبير بـ {جَرَحْتُم}: استعارة دقيقة للأعمال المكتسبة؛ تشعر بأن كل عمل يكتسبه الإنسان يترك أثراً وندبة في صحيفته وضميره كالجرح في البدن، فليحذر العبد ما يجرحه في نهاره.
تكرار العطف بـ {ثُمَّ} ثلاث مرات:
الأولى: {ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ}: لتراخي اليقظة عن النوم وعظمة نعمة الإحياء بعد الإماتة.
الثانية: {ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ}: للارتقاء من الحياة الدنيا إلى منتهى المرجع بعد انقضاء الآجال.
الثالثة: {ثُمَّ يُنَبِّئُكُم}: للتهويل والترتيب الرتبي لحساب الحصاد بعد البعث.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
اغتنام نعمة اليقظة اليومية؛ فإن كل يوم يمنحه الله للعبد هو فرصة استدراك ومهلة للتوبة والعمل الصالح قبل انقضاء الأجل المسمى.
محاسبة النفس عند النوم على ما جرحته واكتسبته في النهار من أقوال وأفعال، والرجوع إلى الله بالاستغفار.