بيان كمال الحلم الإلهي وعجز البشر في الأثر ومأثور التفسير:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (ج ١١، ص ٤٢٤)جامع البيانالطبري١١/٤٢٤ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد في قوله تعالى: {قُل لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ}: «يقول: لو كان بيدي مفاتيح العذاب والنقمة التي تستعجلون بها لأوقعتها بكم غضباً لربي ولديني، ولفصلت الخصومة واستؤصلتم ولم أؤخركم طرفة عين؛ ولكن الأمر ليس إليّ، بل هو إلى الحليم الصبور الذي لا يعجل بعقوبة من عصاه لعلهم يتوبون؛ {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ} يعلم متى ينزل بهم العذاب وفي أي وقت يستأصلهم بمقتضى حكمته وعلمه الأزلي».
وذكر ابن كثير في "تفسيره" (ج ٣، ص ٢٨٢)مصدر غير محدد٣/٢٨٢: «أي لو كان مرجع ما تستعجلونه إليّ لأوقعت بكم ما تستحقونه غضباً لمحارم الله، ولانقضى الأمر بيني وبينكم؛ ولكن الله هو العليم بمن يستحق العقاب متى وكيف، وهو الحليم الذي يمهل ولا يهمل».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
لَّوْ
حرف امتناع لامتناع؛ أي امتنع القضاء لامتناع ملكية العذاب بيدي.
محيط بحالهم ومستقرهم ومقدار ما يستحقونه من الإمهال والجزاء.
قُل
أمر مبني على السكون.
لَّوْ
حرف شرط غير جازم (حرف امتناع لامتناع).
أَنَّ
حرف مشبه بالفعل ينصب الاسم ويرفع الخبر.
عِندِي
متعلق بمحذوف خبر أن مقدم.
مَا
اسم موصول مبني في محل نصب اسم أن مؤخر.
تَسْتَعْجِلُونَ
مضارع والواو فاعل والجملة صلة ما.
بِهِ
متعلق بتستعجلون، والمصدر المؤول (أن عندي ما تستعجلون) في محل رفع فاعل لفعل محذوف تقديره (ثبت).
لَقُضِيَ
اللام واقعة في جواب لو، قضي ماضٍ مبني للمجهول.
الْأَمْرُ
نائب فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة والجملة جواب لو لا محل لها.
بَيْنِي
ظرف مكان متعلق بقضي والياء مضاف إليه.
وَبَيْنَكُمْ
معطوف والكاف مضاف إليه والميم للجمع.
وَاللَّهُ
الواو استئنافية، لفظ الجلالة مبتدأ مرفوع بالضمة.
أَعْلَمُ
خبر المبتدأ مرفوع بالضمة وهو مضاف.
بِالظَّالِمِينَ
متعلق بأعلم وعلامة جره الياء.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إبراز عظمة الحلم الإلهي في مقابل الضعف البشري:
اتصال عميق بالآية السابقة؛ فبعد أن قرر أن الحكم لله في تعجيل العذاب، بين هنا وجه الرحمة والحكمة في كون الأمر بيد الله لا بيد البشر؛ فالبشر بحكم طبعهم قد يعجلون بالعقوبة عند اشتداد الأذى، ولكن الله الغني الحليم يؤخرهم لحكمة بالغة وعلم محيط بمصائر الظالمين ومواضع هداية من في أصلابهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حكمة تأخير العذاب والرد على شبهة استبطاء النقمة:
تبرهن الآية على أن عدم تعجيل العذاب بالمكذبين ليس دليلاً على صدق باطلهم، ولا على عجز الخالق سبحانه؛ بل هو نابع من كمال العلم والقدرة والحلم؛ فالله لا يخاف فوت الهاربين، وهو أعلم بمواقيت العقاب العادلة، فتأخيره إملاء واستدراج أو استبقاء لمن سيسلم منهم أو من ذريتهم؛ فكل قضاء له وقت مضروب محكم.