أخرج الإمام الطبري في "جامع البيان" (12/ 72)جامع البيانالطبري١٢/٧٢ بسنده عن قتادة في قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}: "يقول: كذلك نسلّط بعض الظلمة على بعض في الدنيا، ونجعل بعضهم أولياء بعض، ونهلك بعضهم ببعض، جزاءً لهم على كسبهم وظلمهم".
وروى عبد الرزاق وابن أبي حاتم عن منصور بن معتمر قال: "سمعت شياخنا يقولون: إذا فسد الناس وتركوا أمر الله، ولّى الله عليهم أشرارهم وظلمتهم".
قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (3/ 337)مصدر غير محدد٣/٣٣٧: "أي: وكما ولّينا شياطين الجن على أتباعهم من شياطين الإنس فاستمتع بعضهم ببعض، كذلك نسلّط بعض الظلمة على بعض في الدنيا، ونهلك بعضهم ببعض، وننتقم من بعضهم ببعض، جزاءً على ظلمهم وبغيهم وكسبهم الآثام".
قال الإمام القرطبي (7/ 89)مصدر غير محدد٧/٨٩: "هذه سنة ربانية عظيمة؛ أن الله إذا أراد بقرية شراً ولّى عليهم شرارهم وسلط عليهم الظالمين ليعذبوهم ويظلموهم بما كسبت أيديهم، كما رُوي: (الظالم سيف الله في الأرض ينتقم به ثم ينتقم منه)".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
(نُوَلِّي): من الوَلايَة أو التَّوْلِيَة؛ وتأتي بمعنى: نسلّط ونجعل والياً حاكماً، أو نجعل بعضهم قريناً وناصراً لبعض، مأخوذ من الوَلْي وهو القرب والدنو.
(الظَّالِمِينَ): المعتدين المتجاوزين للحدود بالشرك والمعاصي وأكل حقوق العباد.
الإعراب والتركيب:
{وَكَذَلِكَ}: الواو استئنافية لتقرير القوانين السننية، الكاف حرف جر واسم الإشارة مجرور متعلق بمحذوف مفعول مطلق (أي: نولي تولية مثل ذلك).
{نُوَلِّي}: فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره نحن.
{بَعْضَ}: مفعول به أول منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
{الظَّالِمِينَ}: مضاف إليه مجرور بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
{بَعْضًا}: مفعول به ثان لـ (نولي) منصوب وعلامة نصبه الفتحة.
{بِمَا}: الباء سببية، (ما) مصدرية أو اسم موصول في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلق بـ (نولي).
{كَانُوا يَكْسِبُونَ}: كان واسمها وخبرها صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية وتناسبها التشريعي والاجتماعي القاهر: جاءت هذه الآية كقاعدة عامة وسنة كونية كبرى معقبة على مشهد تحالف شياطين الإنس والجن واستئناس بعضهم ببعض في الضلال؛ فالله تعالى يبين أن هذا التوافق والتسليط ليس أمراً عارضاً محصوراً في ذلك الموقف، بل هو قانون اجتماعي وسياسي وتاريخي ماضٍ في الأمم: الظالم يُسلَّط عليه ظالم مثله، والشر يجتذب الشر، والمجتمع الفاسد يُبتلى بقيادات جائرة تقوده إلى الهلاك بما كسبت أيدي أفراده.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحليل السنة الإلهية في تسليط الطغاة:
تدفع الآية شبهة الاعتراض على تسليط الحكام الظلمة والجبابرة على الشعوب؛ فبينت الآية أن تسليط الظالم على الرعية الظالمة هو "عقوبة سننية عادلة" ونتاج مباشر لفساد المجتمع وانحرافه الأخلاقي {بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}؛ فإذا انتشر الظلم والبغي في تعاملات الناس وسوقهم وبيوتهم، سلّط الله عليهم من يذيقهم ويلات الظلم في عقر دارهم. فالإصلاح الحقيقي يبدأ من توبة الشعوب واستقامتها، كما قال عبد الملك بن مروان: (أيها الناس، لا تطالبونا بسيرة أبي بكر وعمر وأنتم لستم كرعية أبي بكر وعمر).
الإيجاز البليغ في قوله {نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا}: عبارة جمعت مجلدات في فقه الاجتماع والسياسة الشرعية وتاريخ الدول وتقلب الحضارات في أربع كلمات.
التنكير في (بَعْضًا): للتعميم في أنواع الظلمة والتسليط، وتنوع أشكال التولية بين التحالف السياسي أو الاستبداد القهري أو الصراع التدميري بين القوى الظالمة.
السببية الصريحة في {بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}: إثبات لعدل الله المطلق وبراءته من الظلم؛ فالناس هم الذين يزرعون بذور شقائهم بأيديهم.
اللطائف الإشارية والتدبرية:
حين ترى الظلمة يتصارعون فيما بينهم ويهلك بعضهم بعضاً، فاعلم أن يد القدرة الربانية تدير المشهد لتطهير الأرض وإهلاك الباطل بالباطل وإنجاء أهل الحق.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الوعي الاجتماعي والسياسي:
إدراك الشعوب المسلمة أن رفع الظلم والاستبداد لا يتحقق بالفوضى أو بمجرد تغيير الوجوه مع بقاء الانحراف العقائدي والأخلاقي، بل يبدأ بالرجوع الصادق إلى شرع الله وتطهير المجتمع من الذنوب والظلم البيني.
التحذير من إعانة الظالمين:
تجنب الركون إلى الظلمة أو معاونتهم في غيهم؛ فمن أعان ظالماً سلّطه الله عليه، والظلم ظلمات يوم القيامة.