أخرج الطبري في "جامع البيان" (12/ 66)جامع البيانالطبري١٢/٦٦ بسنده عن قتادة ومجاهد في قوله: {لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِندَ رَبِّهِمْ}: "دار السلام هي الجنة، والسلام هو الله تبارك وتعالى؛ فالجنة دار الله، وسُميت دار السلام لأنها سالمة من كل عيب وكدر وآفة ونقص، وسالم أهلها من الموت والأحزان والأسقام".
قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (3/ 335)مصدر غير محدد٣/٣٣٥: "{لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ} وهي الجنة، {عِندَ رَبِّهِمْ} أي: يوم القيامة، وإنما نعت الجنة بدار السلام لسلامتهم فيها من الآفات والنقائص والمصائب، ولكون تحيتهم فيها سلام، والرب يسلّم عليهم كما قال تعالى: {سَلَامٌ قَوْلًا مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ}، {وَهُوَ وَلِيُّهُم} أي: حفيظهم وناصرهم ومؤيدهم ورازقهم، {بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} أي: جزاءً على أعمالهم الصالحة ومتابعتهم لرسوله صلى الله عليه وسلم".
قال السعدي في "تفسيره" (ص 270)مصدر غير محدد٢٧٠: "جمع الله لأهل الصراط المستقيم بين سلامة المآل في دار السلام، والولاية الإلهية التامة في الدنيا والآخرة".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
(السَّلَامِ): السلام اسم من أسماء الله الحسنى، ومعناه السالم من كل عيب ونقص والمسلِّم لعباده؛ ودار السلام دار الله. ويأتي السلام أيضاً بمعنى السلامة والأمن والتحية الخالصة.
(وَلِيُّهُم): الولي هو الناصر المعين الحبيب المتولي لأمورهم ومصالحهم.
{عِندَ رَبِّهِمْ}: عند ظرف مكان متعلق بمحذوف حال من (دار السلام) أو متعلق بالخبر، وربهم مضاف إليه والهاء مضاف إليه.
{وَهُوَ}: الواو عاطفة أو حالية، (هو) ضمير منفصل مبتدأ.
{وَلِيُّهُم}: خبر المبتدأ مرفوع، وهم مضاف إليه.
{بِمَا}: الباء سببية، (ما) مصدرية أو اسم موصول في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلق بـ (وليهم) أو بمحذوف دل عليه السياق.
{كَانُوا يَعْمَلُونَ}: كان واسمها، وجملة يعملون خبرها، والمصدر المؤول أو الصلة لا محل لها من الإعراب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية وبشارتها الوارفة: لما ذكر الله في الآية السابقة الصراط المستقيم وتفصيل الآيات لقوم يذكرون، أعقب ذلك فوراً ببيان "الغاية القصوى والمآل السعيد" للسالكين على هذا الصراط؛ فمن استقام على صراط ربه في دار التكليف، كانت عاقبته الفوز بدار السلام في دار الجزاء، مع ظفره بالولاية الربانية التي لا كرب معها ولا خوف.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق معنى باء السببية في {بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}:
بيّن أهل السنة والجماعة أن الباء هنا باء "السببية" لا باء "المعاوضة والثمنية"؛ فالأعمال الصالحة سبب لدخول الجنة ونيل الولاية الإلهية، ولكنها ليست ثمناً مكافئاً لنعيم الأبد ودار السلام، بل الدخول بالرحمة والفضل، وتوزيع الدرجات بالأعمال، كما جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين الأمرين فقال: «لن يُدخل أحداً منكم عملُه الجنة»، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل» (رواه البخاري ومسلم).
تقديم الجار والمجرور {لَهُمْ}: لإفادة الاختصاص والحصر؛ أي لهم وحدهم تلك الدار السالمة دون من ضل عن الصراط المستقيم.
الإضافة التشريفية في {عِندَ رَبِّهِمْ}: لبيان القرب المعنوي والمنزلة الرفيعة والكرامة الفائقة التي ينالونها في جوار أرحم الراحمين.
صيغة الاسمية في {وَهُوَ وَلِيُّهُم}: للدلالة على ثبوت الولاية الإلهية ودوامها واستمرارها في الدنيا والبرزخ والآخرة.
اللطائف الإشارية والتدبرية:
الدنيا دار التعب والامتحان والأكدار والأسقام، والجنة دار السلام التي لا نصب فيها ولا همّ ولا موت؛ فمن أراد السلام الحقيقي فليطلبه في دار السلام بالاستقامة على صراط الله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الشوق إلى نعيم الجنة:
تحريك بواعث الشوق في النفوس المؤمنة نحو الدار الآخرة، والاستهانة بمصاعب الدنيا ومكائد الخصوم في سبيل نيل تلك الكرامة العظمى.
الدافعية للعمل الصالح:
ربط الجزاء بالعمل {بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}؛ ليظل المسلم نشطاً في ميادين العبادة والدعوة والخير، موقناً أن جهده وسعيه محفوظ عند ربه الكريم.