الارتقاء في درجات المناظرة الفلكية وإعلان الافتقار لهداية الرب الحق في الأثر:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (ج ١١، ص ٥٠٢)جامع البيانالطبري١١/٥٠٢ وابن أبي حاتم عن قتادة والسدي ومجاهد: «لما أفلت الزهرة وظهر بطلان ألوهيتها، طلع القمر بدراً منيراً مشرقاً في الأفق بازغاً، فقال إبراهيم مناظراً قومه: {هَٰذَا رَبِّي}؛ لأنه أبهى وأعظم نوراً وأوسع ضياءً من الكوكب، فلبث ملياً حتى غاب في مغربه وأفل، فقال معلناً عجز القمر ومحذراً قومه: {لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ}؛ أراد أن يعرض لقومه بأنهم في ضلال مبين بعبادتهم هذه الأجرام الآفلة، وأن الإنسان إذا وكل إلى نظره الفاسد وهواه دون هداية الله الحقيقي الخالق ضل وهلك».
وذكر ابن كثير في "تفسيره" (ج ٣، ص ٣٠٤)مصدر غير محدد٣/٣٠٤: «تدرج معهم من الأصغر إلى الأكبر؛ فلما بطلت ألوهية الكوكب بطلت بالأولى، فلما بازغ القمر قال هذا ربي تنزلاً، فلما غاب أعلن افتقاره إلى هداية ربه وخالقه الحق، وتعريضاً بقومه أنهم قوم ضالون عن الصراط المستقيم».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بَازِغًا
البزوغ هو ابتداء الطلوع والظهور والانشقاق؛ يقال: بزغ القمر أو الشمس إذا بدأ في الشروق والانتشار.
أَفَلَ
غاب واحتجب وزال نوره.
لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي
تعريض بقومه وإعلان للافتقار إلى الله الحق؛ فاللام موطئة للقسم.
الْقَوْمِ الضَّالِّينَ
الخارجين عن الصراط المستقيم التائهين في عبادة الكواكب والأجرام.
فَلَمَّا
الفاء عاطفة، لما شرطية.
رَأَى
ماضٍ مبني على فتح مقدر والفاعل مستتر تقديره هو والجملة فعل الشرط.
الْقَمَرَ
مفعول به منصوب بالفتحة.
بَازِغًا
حال منصوبة بالفتحة الظاهرة من القمر.
قَالَ
جواب الشرط.
هَٰذَا
ها للتنبيه، ذا اسم إشارة مبتدأ.
رَبِّي
خبر المبتدأ والياء مضاف إليه، والجملة مقول القول.
فَلَمَّا
عاطفة شرطية.
أَفَلَ
ماضٍ وفاعله مستتر وجملة الشرط.
قَالَ
جواب الشرط.
لَئِن
اللام موطئة للقسم، إن حرف شرط جازم.
لَّمْ
حرف نفي وجزم وقلب.
يَهْدِنِي
مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف حرف العلة (الياء)، والنون للوقاية، والياء مفعول به.
رَبِّي
فاعل يهدني مرفوع بضمة مقدرة والياء مضاف إليه، وفعل الشرط لم يهدني في محل جزم بإن.
لَأَكُونَنَّ
اللام واقعة في جواب القسم المحذوف، أكونن مضارع ناقص مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد في محل جزم جواب القسم واسمه مستتر تقديره أنا.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التدرج التصاعدي في دحض الشبهات وإيقاظ الضمائر:
خطة حجاجية غاية في الدقة؛ ارتقى من الكوكب الصغير إلى القمر الأكبر والأبهى ضياءً؛ فلما أفل القمر لم يكتفِ بإعلان عدم محبته كما فعل في الكوكب، بل ارتقى بنبرة التحدي والإنذار؛ فأعلن خشيته من الضلال إن لم ينل هداية الرب الحق؛ وفيه تعريض صارخ بقومه: إن عبادتكم لهذه الأجرام ضلال بيّن، ولن ينقذ الإنسان من الضلال إلا ربه الحقيقي الفاطر.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
أن هذا من باب التعريض بقومه؛ كأنه يقول: من عبد رباً يأفل ويغيب فهو من القوم الضالين، ولولا أن ربي الحق هداني لصرت ضالاً مثلكم؛ كما قال تعالى: {قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِي ۖ وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي}.
وفيه إظهار لتمام الافتقار إلى الله والاعتراف بأن الهداية منحة وفضل من الرب جل وعلا، لا يستقل بها العبد بنظره المجرد.
الحال في {بَازِغًا}: تصوير للحظة الشروق والطلوع البهيج؛ لإبراز أن إعجابه الظاهري به كان في ذروة تألقه ونوره، ومع ذلك لما أفل زال كل أثر للألوهية المدعاة.
التأكيد بالقسم ونون التوكيد في {لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ}: إبراز لشناعة الضلال والتحذير منه؛ فالضلال في باب الألوهية أعظم المهالك التي يستعيذ منها الأنبياء.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التدرج مع الخصم في المناظرة وإلزامه خطوة بخطوة حتى تسقط كل حججه الواهية.
دوام شكر الله على نعمة الهداية، واستشعار الافتقار الدائم إلى تثبيته ومعونته؛ فلولا هداية الله لتاهت العقول في ظلمات الضلال.