بشارة المذنبين التائبين وسعة مغفرة الله في الأثر ومأثور التفسير:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (ج ١١، ص ٤٠٩)جامع البيانالطبري١١/٤٠٩ وابن أبي حاتم والحاكم عن عكرمة ومجاهد وقتادة في قوله تعالى: {وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ}: «نزلت في أولئك النفر من ضعفاء المسلمين الذين نهاه الله عن طردهم؛ كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رآهم بدأهم بالسلام، وبسط لهم ثوبه، وأجلسهم إلى جانبه، وقال: مرحباً بمن عاتبني فيهم ربي! وبشرهم بأن الله كتب على نفسه الرحمة، وأن التائب من الذنب معفو عنه مرحوم».
وروى الطبري وأحمد والترمذي عن عبد الله بن عباس ومجاهد وأبي العالية في قوله: {مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ}: «قالوا: كل من عصى الله فهو جاهل حتى ينزع عن معصيته؛ فالجهالة هنا ليست نفي العلم بتحريم الذنب، بل هي سفاهة العقل وضعف البصيرة وغلبة الشهوة وإيثار العاجل على الآجل وقت ارتكاب المعصية».
وذكر ابن كثير في "تفسيره" (ج ٣، ص ٢٧٨)مصدر غير محدد٣/٢٧٨: «هذا أمر من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم بإكرام المؤمنين، والبدء بالسلام عليهم، وتبشيرهم برحمة الله السابغة التي كتبها على نفسه تفضلاً وإحساناً، وأنه يقبل توبة من تاب وأصلح عمله مهما عظم ذنبه».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات والدلالات:
{سَلَامٌ عَلَيْكُمْ}: تحية أمان وإكرام ودعاء بالسلامة والبركة من آفات الدنيا والآخرة.
{بِجَهَالَةٍ}: بسفاهة وإيثار للشهوة وغفلة عن عظمة من يعصيه، لا عن استحلال وجهل تام بالشرع.
{وَأَصْلَحَ}: تدارك ما فرط فيه، وأصلح عمله بالاستقامة وطاعة ربه.
القراءات المتواترة في {أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ... فَأَنَّهُ غَفُورٌ}:
١. قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي ويعقوب وخلف: {أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ} بفتح همزة أنه الأولى (بدل من الرحمة)، و {فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} بفتح همزة فأنه الثانية (على أنها بدل ثانٍ أو خبر لمبتدأ محذوف).
٢. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو: {أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ} بفتح همزة الأولى، و {فَإِنَّهُ غَفُورٌ} بكسر همزة الثانية على الاستئناف والتعليل لجواب الشرط بعد الفاء.
الإعراب والتركيب:
{وَإِذَا}: الواو استئنافية، إذا ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه.
{جَاءَكَ}: ماضٍ والكاف مفعول به.
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني في محل رفع فاعل جاءك والجملة في محل جر بالإضافة لـ إذا.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إحاطة المؤمنين بالحفاوة النبوية وفتح أبواب الأمل للتائبين:
أعظم ما تتجلى فيه الرحمة الإلهية؛ بعد أن أمره بعدم طردهم في الآية (٥٢)، أمره هنا بمزيد الإكرام والترحيب: إذا جاؤوك فبادرهم بالسلام والبشرى؛ وافتح لهم أبواب الرجاء العريضة بإعلامهم أن ربهم كتب على نفسه الرحمة كتاباً محتوماً؛ فمن أذنب منهم في لحظة ضعف وجهالة ثم تاب وأصلح عمله فإن الله يغفر له ويرحمه؛ لكي لا ييأس عاصٍ، ولكي تستقر السكينة في قلوب المؤمنين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق معنى "الجهالة" في ارتكاب المعصية ودفع شبهة العذر بالجهل المطلق:
قد يستشكل البعض: هل يشترط لغفران الذنب أن يكون العاصي جاهلاً بالحكم الشرعي وتحريمه؟!
والتحقيق الفقهي والعقدي الحاسم الذي أجمع عليه أئمة السلف (ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وابن تيمية في "مجموع الفتاوى" ج ٧، ص ٢٨٢):
أن "الجهالة" هنا ليست ضد العلم النظري بالتحريم؛ فالمؤمن قد يعلم أن الخمر أو الزنا أو الغيبة حرام، ولكنه يقع فيها لغلبة الهوى وسلطان الشهوة وتزيين الشيطان.
فكل من عصى الله فهو "جاهل" بمقتضى عقله؛ لأنه آثر لذة دقيقة فانية على نعيم مقيم دائم، وعرّض نفسه لغضب الجبار؛ فالجهالة هنا هي السفه وخفة العقل ونقصان البصيرة وقت ارتكاب الذنب؛ فإذا تاب وأصلح بعد زوال غشاوة الشهوة غفر الله له ورحمه.
المبادرة بـ {فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ}: مطلع في غاية اللطف والإيناس؛ أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يبدأهم بالتحية والأمان لتزول عن نفوسهم أي وحشة أو حزن مما طلبه كبراء قريش.
تكرار كتب الرحمة {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ}: ترسيخ لمبدأ الفضل الرباني المطلق؛ ليطمئن المذنب إلى سعة باب المغفرة ما دام قد اقترن بالتوبة والإصلاح.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
إشاعة المحبة والسلام والتواضع بين أهل الإيمان، وخاصة مع المستضعفين وأهل الاستقامة.
تجديد التوبة الصادقة والإصلاح العملي بعد كل زلة؛ فالعبد لا ييأس من رحمة ربه الذي كتب على نفسه الرحمة وقضى بمغفرة الذنوب للتائبين.