أخرج الطبري في "جامع البيان" (11/ 580)جامع البيانالطبري١١/٥٨٠ بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا}: "يقول تعالى لنبيه: لو شئت لجمعتهم على الهدى جميعاً، ولكني قضيت بحكمتي أن أبتليهم بالاختيار وأجعل منهم شقياً وسعيداً، ولو شئت لجبلتهم على التوحيد فلم يشركوا بي شيئاً".
قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (3/ 317)مصدر غير محدد٣/٣١٧: "{وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا} أي: بل له المشيئة والحكمة التامة فيما يقضيه ويقدره، لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون، {وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} أي: حارساً تحفظ أعمالهم وأقوالهم، {وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ} أي: بموكّل ترزقهم وتدبر أمورهم، إن عليك إلا البلاغ".
وقال البغوي (3/ 176)مصدر غير محدد٣/١٧٦: الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم لما كان يشتد عليه كفر قومه وإعراضهم، فأعلمه الله أن كفرهم وقع بمشيئته الكونية وحكمته الأزلية، ليمضي قدره في خلقه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
(شَاءَ): المشيئة الإرادة النافذة الكونية التي لا راد لقضائها؛ فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
(حَفِيظًا): رقيباً يحصي أفعالهم ويحفظها، أو مانعاً يحول بينهم وبين ما يفعلونه من الشرك.
(وَكِيلٍ): كفيلاً يقوم بمصالحهم ويدبر شؤونهم ويلزمهم بالإيمان.
الإعراب والتركيب:
{وَلَوْ}: الواو استئنافية، (لو) حرف امتناع لامتناع (أداة شرط غير جازمة).
{شَاءَ اللَّهُ}: فعل ماض مبني على الفتح، والله لفظ الجلالة فاعل، ومفعول المشيئة محذوف تقديره (عدم إشراكهم).
{مَا أَشْرَكُوا}: (ما) نافية، (أشركوا) فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعل، والجملة جواب الشرط لا محل لها من الإعراب.
{وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا}: الواو عاطفة، (ما) نافية، (جعلناك) فعل ماض مبني على السكون، و(نا) فاعل، والكاف مفعول به أول، (عليهم) جار ومجرور متعلق بـ (حفيظاً)، (حفيظاً) مفعول به ثان منصوب.
{وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ}: الواو عاطفة، (ما) نافية تعمل عمل ليس، (أنت) ضمير منفصل اسمها، (عليهم) متعلق بـ (وكيل)، والباء حرف جر زائد، (وكيل) مجرور لفظاً منصوب محلاً خبر (ما).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية وتناسبها: لما أمر الله نبيه بالاتباع والإعراض عن المشركين في الآية السابقة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحرص حرصاً بالغاً على إيمانهم ويحزن لشركهم وتكذيبهم، جاءت هذه الآية لتسكين فؤاده الشريف؛ ببيان أن الشرك لم يقع رغماً عن الله تعالى في ملكه، بل وقع بمقتضى المشيئة الكونية وحكمة الابتلاء، وأن الرسول ليس موكلاً بحفظهم ولا وكيلاً عليهم، فتنحصر مهمته في البلاغ المبين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تقرير المشيئة الكونية والمشيئة الشرعية:
يفرّق أهل السنة والجماعة بين الإرادة الكونية القدرية والإرادة الدينية الشرعية:
الإرادة الكونية: مستغرقة عامة لكل ما يقع في الوجود من خير وشر، وكفر وإيمان؛ فلا يقع في ملكه إلا ما يشاء، وقوله: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا} إرادة كونية؛ فلو شاء لقهرهم وجبلهم على الإيمان جبراً.
الإرادة الشرعية: مختصة بما يحبه ويرضاه من الإيمان والطاعات؛ والله لا يرضى لعباده الكفر كما قال: {وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ}.
دفع شبهة الجبر والاحتجاج بالقدر: المشركون إذا قيل لهم لم تشركون؟ قالوا {لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا} محتجين بالقدر على إسقاط التكليف، والآية هنا تذكر المشيئة الكونية لتقرير كمال قدرة الله وهيمنته على خلقه وتسلية رسوله، لا لإسقاط الذم عن المشركين؛ لأن الله أعطاهم عقلاً وإرادة واختياراً وبيّن لهم النجدين، فاختاروا الشرك بمحض إرادتهم فاستحقوا العقاب.
حذف مفعول المشيئة: في قوله {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ}؛ لإفادة العموم ودلالة جواب الشرط عليه، وتقديره: لو شاء الله هدايتهم أو لو شاء عدم إشراكهم.
نفي الحفيظية والوكالة بتأكيدين متتابعين: {وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ} وتوكيد الخبر بالباء الزائدة في {بِوَكِيلٍ}، لنزع كل توهم بأن الرسول مسؤول عن بقائهم على الكفر أو محاسب على شركهم.
اللطائف الإشارية والتدبرية:
التسليم للقدر يورث الرضا والسكينة؛ فحين يعلم الداعية أن مشيئة الله نافذة في خلقه، لا يقتله الحزن على من شقي، بل يستمر في البذل والنصح موقناً أن الهداية بيد مقلب القلوب وحده.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
التوازن النفسي للداعية المسلم؛ فلا يفرط في الحزن حتى يُهلك نفسه أسى على المعاندين كما قال تعالى: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا}.
التربية على التوكل:
القيام بالواجب الشرعي والبلاغ، وترك النتائج إلى الله تعالى؛ فالعبد مُحاسب على السعي والامتثال، وليس محاسباً على النتيجة وتوفيق المدعوين.