أخرج الإمام الطبري في "جامع البيان" (12/ 74)جامع البيانالطبري١٢/٧٤ بسنده عن ابن عباس ومجاهد والضحاك في قوله: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ}: "اختلف أهل العلم: هل بُعث إلى الجن رسل منهم؟ فقال الضحاك: بلى، أرسل الله إلى الجن رسلاً منهم، واحتج بظاهر الآية {رُسُلٌ مِّنكُمْ}. وقال جمهور السلف والخلف ومنهم ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن وابن جرير الطبري وابن كثير: بل الرسل من الإنس فقط، ولكن الرسل من الإنس أُرسلوا إلى الإنس والجن معاً، ونُذر الجن من الجن يستمعون إلى رسل الإنس فيبلغون قومهم، كقوله تعالى: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ}، وإنما قال {مِّنكُمْ} لأن الخطاب موجه للمجموع المركب من الجنسين؛ كقوله تعالى: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} وإنما يخرج من المالح دون العذب".
قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (3/ 338)مصدر غير محدد٣/٣٣٨: "هذا مما يقرع الله به الكافرين يوم القيامة من الثقلين الجن والإنس، إذا سألهم وهو أعلم: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ} لتقوم الحجة وتثبت العدالة التامة، فيعترفون بصدق الرسل وجناية أنفسهم: {قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا}... ثم ذكر سبب هلاكهم: {وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} أي بما فيها من الزخارف والشهوات فصرفتهم عن الإعداد لهذا اليوم".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
(يَقُصُّونَ): القَصُّ هو تتبع الأثر وإيراد الأخبار والآيات بياناً وتفصيلاً على وجه التتابع والترتيب.
(يُنذِرُونَكُمْ): الإنذار هو الإبلاغ المقترن بالتخويف والتحذير قبل وقوع المخوف.
(غَرَّتْهُمُ): الغُرور هو الخداع بالأباطيل وإظهار النفع المؤقت مع إبطان الهلاك.
الإعراب والتركيب:
{يَا مَعْشَرَ}: يا أداة نداء، معشر منادى مضاف منصوب.
{الْجِنِّ}: مضاف إليه مجرور.
{وَالْإِنسِ}: معطوف مجرور.
{أَلَمْ}: الهمزة للاستفهام التقريري التوبيخي، لم حرف نفي وجزم وقلب.
{يَأْتِكُمْ}: فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف حرف العلة (الياء)، والكاف مفعول به، والميم للجمع.
{قَالُوا}: فعل ماض والواو فاعل، والجملة استئنافية لا محل لها.
{شَهِدْنَا}: فعل ماض مبني على السكون و(نا) فاعل، والجملة مقول القول.
{عَلَى أَنفُسِنَا}: متعلق بـ (شهدنا).
{وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا}: الواو اعتراضية أو حالية، غرتهم فعل ومفعول به، الحياة فاعل، الدنيا نعت مرفوع بضمة مقدرة.
{وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ}: فعل وفاعل ومتعلق به، والجملة معطوفة.
{أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ}: أن واسمها وخبرها في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف (شهدوا بأنهم)، متعلق بـ (شهدوا).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية وتناسبها القضائي المهيب: في هذا المشهد القضائي الختامي، يبلغ الإعذار الإلهي قمته؛ فلا يُعذب الله أحداً من خلقه إلا بعد إقامة الحجة الرسالية القاطعة عليه في دار الدنيا، واستنطاقه بالاعتراف الصريح أمام الخلائق يوم القيامة؛ ليشهد المجرمون على أنفسهم بظلمهم وتكذيبهم، وتنكشف حقيقة ما غرهم من بهرج الحياة الدنيا الزائل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
قاعدة: لا تكليف ولا عذاب إلا بعد الرسالة:
الآية أصل قطعي مع قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} على أن الله تعالى لا يعذب أحداً لم تبلغه الدعوة ولم تقم عليه الحجة بالرسل؛ فالعقل وحده وإن كان يدرك قبح بعض القبائح وحسن بعض المحاسن، إلا أن مناط الثواب والعقاب والخلود في النار إنما يترتب على بلاغ الرسل والإنذار باليوم الآخر.
سيكولوجية الاعتراف في محكمة القيامة:
قوله {قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا}: اعتراف يسقط كل دعاوى التظلم والجدال؛ لأنهم في ذلك الموقف ينكشف عنهم الغطاء وتتلاشى قدرتهم على التمويه والمكر الذي كانوا يمارسونه في الدنيا، فتنطق ألسنتهم وجوارحهم بالحق المر.
الاستفهام التقريري التوبيخي: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ}؛ لحملهم على الإقرار والاعتراف بأن الحجة كانت قائمة وأنهم لا عذر لهم.
الإشارة بـ {هَذَا} في قوله {لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا}: استحضار لهول اليوم وشدته بعد أن كانوا يستبعدونه في الدنيا ويكذبون به.
الجملة المعترضة {وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا}: لبيان أصل البلاء؛ فالعلة لم تكن خفاء الرسالة، بل الغرور بالدنيا وشهواتها الفانية.
اللطائف الإشارية والتدبرية:
الحياة الدنيا خادعة غدارة تتزين لطالبيها كعروس حسناء، حتى إذا ركنوا إليها أسلمتهم إلى الندامة والحسرة؛ والعاقل من نظر إلى عواقب الأمور وتزود ليوم اللقاء.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استشعار نعمة إرسال الرسل:
حمد الله تعالى على نعمة إنزال الكتب وإرسال الرسل؛ فبهم استنارت العقول، وعُرف الحلال من الحرام، وتحددت معالم النجاة.
الاستعداد ليوم الحساب:
الحذر من الاغترار بمفاتن الدنيا وزخارفها؛ وتذكر يوم يقف العبد وحيداً أمام جبار السماوات والأرض يشهد على نفسه بما قدمت يداه.