أخرج الإمام الطبري في "جامع البيان" (11/ 593)جامع البيانالطبري١١/٥٩٣ بسنده عن ابن عباس وعلي بن أبي طلحة في قوله تعالى: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ}: "أي نحول بين قلوبهم وبين الإيمان لو أنزلنا الآيات كما حلنا بينهم وبين الإيمان أول مرة حين جاءهم القرآن والبيان؛ جزاءً لهم على ردهم للحق عند أول ظهوره".
روى ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: "لما حلفوا لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها، أخبر الله نبيه أنهم لو جاءتهم الآية لحال بينهم وبين الإيمان كما حال بينهم أول مرة حين دعوا إلى الإسلام فلم يستجيبوا".
قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (3/ 320)مصدر غير محدد٣/٣٢٠: "{وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ} كقوله تعالى: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ}، وقوله: {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا}؛ أي نعاقبهم على رد الحق حين جاءهم بغاية الوضوح في أول وهلة، بأن نطمس على قلوبهم وأبصارهم فلا يهتدون بعدها، {وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} أي: وندعهم ونتركهم في ضلالهم واستكبارهم يترددون متخبطين حيارى".
قرر أئمة التفسير والسنة أن هذه الآية أصل عظيم في "عقوبة الذنب بالذنب"، وأن من رد الحق عند أول سماعه عوقب بالتقليب والزيغ والحرمان من التوفيق.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
(نُقَلِّبُ): التقليب هو تصريف الشيء ظهراً لبطن وتغيير أحواله وتحويله من اتجاه إلى اتجاه؛ وتقليب الأفئدة: تحويلها وصرفها عن إدراك الحق وقبوله.
(نَذَرُهُمْ): من الوَذْر، وهو الترك والإهمال والخلية بين العبد وبين مهالكه؛ وأماتت العرب ماضي هذا الفعل (وَذَرَ) واكتفت بالمضارع (يَذَرُ) والأمر (ذَرْ).
(طُغْيَانِهِمْ): الطغيان مجاوزة الحد في الكفر والمعصية والاستكبار.
(يَعْمَهُونَ): من العَمَه، وهو عمى البصيرة والحيرة والتردد في الضلالة، يقال: عَمِه فلان يَعْمَهُ إذا تحير وتردد لا يدري أين يتوجه.
الإعراب والتركيب:
{وَنُقَلِّبُ}: الواو عاطفة أو استئنافية، (نقلّب) فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره نحن.
{أَفْئِدَتَهُمْ}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة، وهم مضاف إليه.
{وَأَبْصَارَهُمْ}: الواو عاطفة، أبصارهم معطوف على أفئدتهم منصوب، وهم مضاف إليه.
{كَمَا}: الكاف حرف تشبيه وجر، (ما) مصدرية أو موصولة، والمصدر المؤول في محل جر متعلق بمحذوف مفعول مطلق (أي: تقليباً مثل عدم إيمانهم أول مرة).
{لَمْ يُؤْمِنُوا}: لم حرف نفي وجزم وقلب، يؤمنوا فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعل.
{بِهِ}: جار ومجرور متعلق بـ (يؤمنوا)، والضمير يعود على القرآن أو النبي صلى الله عليه وسلم أو الحق.
{أَوَّلَ مَرَّةٍ}: (أول) ظرف زمان منصوب متعلق بـ (يؤمنوا)، و(مرة) مضاف إليه مجرور.
{وَنَذَرُهُمْ}: الواو عاطفة، نذرهم فعل مضارع مرفوع، والفاعل مستتر تقديره نحن، والهاء مفعول به.
{فِي طُغْيَانِهِمْ}: جار ومجرور متعلق بحال محذوفة من المفعول به، أو متعلق بـ (يعمهون).
{يَعْمَهُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، والجملة في محل نصب حال من الهاء في (نذرهم).
القراءات المتواترة: قرأ الجمهور {وَنُقَلِّبُ... وَنَذَرُهُمْ} بنون العظمة، وقُرئ في السبعة في رواية شاذة عن بعضهم {ويقلبُ... ويذرهم} بالياء رداً على اسم الله المتقدم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية وتناسبها الإلهي: جاءت هذه الآية ختاماً لهذا المقطع التوحيدي والجدلي العظيم (من الآية 91 إلى الآية 110)، لتبين سر إصرار الكافرين على عنادهم رغم تواتر البصائر والدلائل؛ فالعلة ليست في خفاء الحق ولا في قلة الآيات، بل في سنة إلهية عدلية ماضية: أن من عُرض عليه الحق جلياً ساطعاً في أول أمره فرده استكباراً وكبراً، قُلب فؤاده وطُمس بصره وجوزي بالخذلان، فلو جاءته كل آية خارقة ما اهتدى وما آمن!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
تقرير عدل الله في تقليب القلوب وتفنيد الجبر:
قد يتوهم واهم أن تقليب الأفئدة جبر يمنع العبد من الإيمان دون ذنب منه، والآية الكريمة ترد هذا التوهم رداً قاطعاً بقولها: {كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ}؛ فالباء والتشبيه يثبتان أن هذا التقليب والخذلان لم يكن ابتداءً ولا ظلماً، بل كان جزاءً وفاقاً وعقوبة على اختيارهم الباطل وردهم للحق أول ما فاجأهم به الرسول صلى الله عليه وسلم من غير شبهة ولا برهان.
قال الإمام ابن القيم في "شفاء العليل" (ص 123)شفاء العليلابن القيم١٢٣: "هذا من أعدل الأحكام وأبلغها في الحكمة؛ فإن العبد إذا رد الحق أول ما يأتيه، عاقبه الله تعالى بأن يحول بين قلبه وبينه بعد ذلك، فلا يقدر عليه ولا ينشرح له، كما قال تعالى: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ}".
الاقتران بين الأفئدة والأبصار: لبيان شمول الطمس؛ فالأفئدة هي مراكز البصيرة والتعقل والإرادة، والأبصار هي حواس المشاهدة والتلقي؛ فإذا انقلبت الأفئدة لم ينفع نظر الأبصار ولو رأت خوارق العادات.
التنكيس والاضطراب في مادة (نُقَلِّبُ): استعارة تمثيلية لحال قلوبهم المذبذبة المترددة التي لا تستقر على يقين ولا تهتدي إلى صواب.
التعبير بـ {يَعْمَهُونَ}: رسم بديع لحيرتهم وضياعهم وتخبطهم كالأعمى الذي يتخبط في الظلمات بلا دليل ولا هدى.
اللطائف الإشارية والتدبرية:
القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء؛ والواجب على المؤمن أن يظل وجلاً خائفاً يلهج بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك».
خطورة التسويف في قبول الحق؛ فإذا استبان لك الحق فبادر باعتناقه فوراً ولا تؤجل؛ فإن تأخير الانقياد يورث قسوة القلب وربما يؤدي إلى تقليب الفؤاد وحرمانه من النور.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التحذير التربوي الجازم من رد الحق:
أعظم المصائب أن يُبتلى العبد برد الحق بعد معرفته بدافع الكبر أو العصبية أو اتباع الهوى؛ لأن ذلك يعقبه الطمس على القلب والعمه في الطغيان، وهو الخسران المبين.
التضرع والافتقار إلى الله:
لا يعتمد العبد على ذكائه ولا على فطنته ولا على صلاحه في الثبات؛ بل يعلم أن الهداية منة محضة من الله، وأن الحرمان عدل من الله، فيلجأ إلى ربه دائماً سائلاً التثبيت وحسن الختام، ومعتصماً بحبل الله المتين.