المثل المضروب للحيران والتائه في الفيافي في الأثر ومأثور التفسير:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (ج ١١، ص ٤٨١)جامع البيانالطبري١١/٤٨١ وابن أبي حاتم والحاكم عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {قُلْ أَنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَىٰ أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ}: «ضرب الله مثلاً للمرتد عن دينه والمشرك بعد التوحيد؛ برجل تائه في فلاة ضل عن الطريق، فاستهوته الغيلان والشياطين وأغوته تدعوه إلى المهالك، وله رفقة وأصحاب على الجادة المستقيمة ينادونه: هلم إلينا! ائتنا إلى الطريق! وهو حيران متردد بين دعوة أصحابه الناجين وبين استهواء الشياطين المهلكين؛ فكذلك الداعي إلى الشرك يدعو إلى المهلكة، والرسول والمؤمنون يدعون إلى الهدى والصراط المستقيم».
وروى الطبري عن قتادة والسدي ومجاهد: «{اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ}: أضلته واغتالته واستهوته بأهوائها في الأرض، فهو حيران لا يدري أين يذهب، قد ضل عن القصد».
وذكر ابن كثير في "تفسيره" (ج ٣، ص ٢٩٥)مصدر غير محدد٣/٢٩٥: «هذا مثل ضربه الله تعالى لمن يعبد مع الله غيره ويرتد عن دينه بعد الهداية؛ فهو كالتائه المضيع بين شياطين الإغواء وبين دعاة الرشاد».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
وَنُرَدُّ عَلَىٰ أَعْقَابِنَا
النكوص والرجوع إلى الخلف؛ كناية عن الردة والرجوع إلى الشرك بعد الإيمان.
اسْتَهْوَتْهُ
أهوته وأطمعته في هواها واستهوته الغيلان والشياطين؛ من الهوى أو الهوي وهو السقوط من علو.
حَيْرَانَ
صفة مشبهة من الحيرة، وهو المتردد التائه الذي لا يدري كيف يهتدي إلى مقصده.
لفظ الجلالة فاعل هدان مؤخر والجملة في محل جر بالإضافة لـ إذ.
كَالَّذِي
الكاف حرف جر وتشبيه، الذي اسم موصول في محل جر والجار والمجرور متعلق بمحذوف مفعول مطلق أو حال (أي رداً كائن كحال الذي).
اسْتَهْوَتْهُ
ماضٍ والتاء للتأنيث والهاء مفعول به.
الشَّيَاطِينُ
فاعل استهوته مرفوع بالضمة والجملة صلة الذي.
فِي الْأَرْضِ
متعلق باستهوته.
حَيْرَانَ
حال منصوبة بالفتحة من هاء استهوته (ولم ينون لأنه ممنوع من الصرف للوصفية وزيادة الألف والنون).
لَهُ
متعلق بمحذوف خبر مقدم.
أَصْحَابٌ
مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة والجملة في محل نصب حال ثانية من المستكن في حيران أو نعت له.
يَدْعُونَهُ
مضارع والواو فاعل والهاء مفعول به والجملة نعت لأصحاب.
إِلَى الْهُدَى
متعلق بيدعونه.
ائْتِنَا
أمر مبني على حذف حرف العلة والفاعل مستتر ونا مفعول به والجملة مقول قول محذوف (أي قائلين ائتنا).
قُلْ
أمر.
إِنَّ
حرف توكيد ونصب.
هُدَى
اسم إن منصوب بفتحة مقدرة وهو مضاف.
اللَّهِ
لفظ الجلالة مضاف إليه مجرور.
هُوَ
ضمير فصل لا محل له (أو مبتدأ).
الْهُدَىٰ
خبر إن مرفوع بضمة مقدرة (أو خبر هو)، وجملة إن مقول القول.
وَأُمِرْنَا
الواو عاطفة، أمرنا ماضٍ مبني للمجهول ونا نائب فاعل.
لِنُسْلِمَ
اللام حرف جر للتعليل (أو زائدة بمعنى أن)، نسلم مضارع منصوب بأن مضمرة والمصدر المؤول في محل جر باللام متعلق بأمرنا.
لِرَبِّ
متعلق بنسلم وهو مضاف.
الْعَالَمِينَ
مضاف إليه مجرور بالياء.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
روعة التمثيل البياني للانحدار من قمة الهدى إلى هاوية التيه:
مشهد تمثيلي درامي من أروع أمثال القرآن المعجزة؛ صور بشاعة الردة والرجوع إلى الشرك بعد نور التوحيد بصورة رجل تائه في فيافي الأرض المظلمة؛ تتخطفه الشياطين وتجذبه نحو الهاوية، ورفاقه العقلاء على طريق النجاة يصيحون به: ائتنا! وهو مشدوه حيران بين دعوة الهلاك ونداء السلامة؛ ليجسد للمؤمنين شناعة الانتكاس، ثم يعلن الموقف الثابت: هدى الله هو الهدى الحق الأوحد، وأمرنا بالاستسلام المطلق لرب العالمين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حصر الهدى في شريعة الله وبطلان المرجعيات الوضعية المتناحرة:
تدمغ الآية الشبهة النسبية في الأخلاق والأديان بالقصر البليغ: {إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ}؛ فالحق واحد لا يتعدد، وكل المناهج البشرية التي تبتغي تنظيم حياة الإنسان بعيداً عن هدى الله إنما هي تيارات "شيطانية" توقع الإنسان في التيه والحيرة النفسية؛ فالإسلام لله رب العالمين هو الملاذ الأوحد الذي يحقق السكينة والانسجام مع سنن الكون.
التشبيه التمثيلي المركب: تشبيه صورة بصورة؛ صورة المرتد الحائر الضائع بين نداء الفطرة ووساوس الشيطان بصورة المسافر التائه في المفازة بين رفاقه العقلاء والشياطين الغاوية.
أسلوب القصر بضمير الفصل وتعريف الطرفين في {هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ}: قصر حقيقي يفيد أن ما عدا هدى الله ليس بهدى البتة، بل هو عين الضلال.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الثبات على نعمة الهداية والاستعاذة بالله من الحور بعد الكور ومن الانتكاس بعد الاستقامة.
تماسك الصحبة الصالحة؛ فإن رفقة الهدى هم صمام الأمان الذي ينادي على التائه ويرده إلى الجادة المستقيمة.