كشف ملكوت السماوات والأرض للخليل ورسوخ مقام اليقين في الأثر:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (ج ١١، ص ٤٩٥)جامع البيانالطبري١١/٤٩٥ وابن أبي حاتم والحاكم عن عبد الله بن عباس ومجاهد وقتادة وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم في قوله تعالى: {وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}: «كشف الله له عن السماوات والأرض فرأى ما فيهما من عظيم قدرة الله وبديع خلقه؛ رأى الشمس والقمر والنجوم ومساراتها، ورأى الملائكة وعجائب التدبير الإلهي؛ ليزداد بصيرة فوق بصيرته، وعلماً فوق علمه؛ {وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ} الذين لا يخالج قلوبهم شك في وحدانية الله وعظمته وسلطانه».
وروى الطبري عن السدي: «فُرجت له السماوات السبع حتى نظر إلى العرش ومستقر الأمر، وفُرجت له الأرضون حتى نظر إلى أسفلها؛ فرأى الآيات العظام فكان من أعظم الموقنين».
وذكر ابن كثير في "تفسيره" (ج ٣، ص ٣٠٢)مصدر غير محدد٣/٣٠٢: «أي كما هديناه للحق في إنكاره على أبيه وقومه، كذلك أريناه دلائل قدرتنا وباهر آياتنا في ملكوت السماوات والأرض؛ لتقوم به الحجة على قومه، وليستقر في قلبه اليقين الذي لا يشوبه ريب».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
مَلَكُوتَ
صيغة مبالغة من المُلْك والملكوت؛ والواو والتاء تزادان في الأسماء للمبالغة والتعظيم (كالرغبوت والرهبوت)؛ والمراد عظيم ملك الله وهيمنته وسلطانه العام التام على خلقه.
الْمُوقِنِينَ
أصحاب اليقين، وهو استقرار العلم الجازم المطابق للواقع في القلب بحيث لا يقبل الشك ولا الزوال.
وَكَذَٰلِكَ
الواو عاطفة، الجار والمجرور متعلق بمحذوف مفعول مطلق مقدم لنري (أي نري إبراهيم إراءة جليلة كذلك).
نُرِي
مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الياء والفاعل مستتر تقديره نحن؛ والتعبير بالمضارع لاستحضار الصورة العجيبة.
إِبْرَاهِيمَ
مفعول به أول منصوب بالفتحة وهو ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة.
مَلَكُوتَ
مفعول به ثانٍ لنري منصوب بالفتحة وهو مضاف.
السَّمَاوَاتِ
مضاف إليه مجرور بالكسرة.
وَالْأَرْضِ
معطوف مجرور.
وَلِيَكُونَ
الواو عاطفة على علة محذوفة مقدرة (أي: أريناه ليعرف الحق وليكون)، اللام لام التعليل، يكون مضارع ناقص منصوب بأن مضمرة واسمه مستتر تقديره هو يعود على إبراهيم.
مِنَ الْمُوقِنِينَ
جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر يكون وعلامة جره الياء.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تمهيد المسرح المعرفي للبرهان الفلكي الحاسم:
اتصال بديع يمهد للجدال القادم؛ فبعد أن أعلن إبراهيم رفضه لعبادة الأصنام الأرضية، بينت الآية الركيزة المعرفية والبصرية التي استند إليها الخليل؛ فقد أراه الله عظمة الملكوت الكوني، ونوّر بصيرته بدلائل الأجرام العلوية؛ لكي يخوض معركته البرهانية مع قومه من موقع الرسوخ واليقين المطلق، ويكون حجة الله البالغة على أهل الأرض.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
تحقيق الرؤية في {نُرِي إِبْرَاهِيمَ}: هل هي رؤية بصرية أم قلبية استدلالية؟:
جمع أئمة التحقيق (الرازي وابن كثير والشنقيطي) بين الأمرين:
أنها رؤية بصرية كشفية خارقة أكرم الله بها خليله؛ بأن أزاح له الحجب فرأى أجرام العالم وعجائب الكون عياناً ببصره.
أنها رؤية بصيرة وعقل وتفكر استدلالي؛ حيث تأمل ملكوت السماوات والأرض بنور الفطرة المؤيدة بالوحي، فاستدل بتغيرها وحركتها وأفولها على أنها مخلوقة مربوبة لا تصلح للألوهية؛ وكلا المعنيين يثمران غاية الآية: {وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ}.
التعبير بالمضارع {نُرِي}: يفيد استحضار الصورة الماضية كأنها تقع الآن أمام الأعين؛ لمشاهدة جلال تلك الإراءة الإلهية للأنبياء.
بناء لفظ {مَلَكُوتَ}: زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى؛ فليس المراد مجرد الملك العادي، بل الملك العظيم المترامي الأطراف الخاضع لقهر الصانع وتدبيره المتقن.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التدبر في آيات الآفاق والملكوت الكوني؛ فإنه من أعظم مسالك تعميق اليقين وتثبيت الإيمان في القلب.
السعي إلى الارتقاء في مدارج اليقين؛ فالمؤمن لا يقنع بمجرد المعرفة السطحية، بل يطلب عين اليقين وحق اليقين بمداومة التفكر والعبادة.