سبب النزول وعموم البلاغ لكل من بلغه القرآن في الأثر النبوي:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (ج ١١، ص ٢٩٨)جامع البيانالطبري١١/٢٩٨ وابن أبي حاتم عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «جاء النضر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط، وأبو جهل، وجماعة من قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا محمد، ما وجد الله رسولاً يرسله غيرك؟! ما نرى أحداً يصدقك فيما تقول، ولقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أنك لست في كتبهم، فأرنا من يشهد لك أنك رسول الله؛ فأنزل الله تعالى: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً ۖ قُلِ اللَّهُ ۖ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ...} الآية».
وروى الطبري (ج ١١، ص ٣٠١)مصدر غير محدد١١/٣٠١ وابن كثير (ج ٣، ص ٢٥١)مصدر غير محدد٣/٢٥١ عن محمد بن كعب القرظي في قوله تعالى: {لِأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ} قال: «من بلغه القرآن فكأنما رأى محمداً صلى الله عليه وسلم وشافهه وكلمه!».
وفي "صحيح مسلم" (رقم ١٥٣)صحيح مسلممسلمحديث رقم ١٥٣ عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
شَهَادَةً
الشهادة إخبار قاطع عن يقين وعلم؛ وشهادة الله تتضمن إخباره الصادق، وتأييده بالمعجزات الباهرات، وإنزاله هذا الكتاب المحكم.
وَمَن بَلَغَ
كل من وصل إليه هذا القرآن وبلغه صوته وبلاغه من الإنس والجن إلى يوم القيامة.
أَئِنَّكُمْ
همزة استفهام إنكاري وتوبيخ دخلت على إن المشددة للإنكار على شركهم المقيت.
لا نافية، أشهد مضارع فاعله أنا، والجملة مقول القول.
قُلْ
أمر.
إِنَّمَا
كافة ومكفوفة تفيد الحصر.
هُوَ
ضمير مبتدأ.
إِلَٰهٌ
خبر المبتدأ مرفوع.
وَاحِدٌ
نعت لإله مرفوع بالضمة.
وَإِنَّنِي
الواو عاطفة، إن واسمها والنون للوقاية.
بَرِيءٌ
خبر إن مرفوع بالضمة.
مِّمَّا
من حرف جر، ما موصولة أو مصدرية في محل جر متعلق ببريء.
تُشْرِكُونَ
مضارع وفاعله، والجملة صلة ما.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ذروة المحاجة في صدق النبوة والتوحيد وعالمية الرسالة المحمدية:
مشهد حواري جليل تتدرج فيه الحجة من أعظم شهادة في الوجود (شهادة الله) إلى تقرير نزول القرآن نذيراً للإنسانية جمعاء، ثم مجابهة المشركين بإنكار شركهم وجهاً لوجه: {أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ}، ثم إعلان البراءة التامة الحاسمة: {قُل لَّا أَشْهَدُ ۚ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ}؛ فانتظم في الآية إثبات النبوة، وإعجاز القرآن، وعالمية الدعوة، وإخلاص التوحيد، ومفاصلة الشرك.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق دلالة {وَمَن بَلَغَ} في قيام الحجة على العالمين وانقطاع عذر الجاحدين:
الآية نص قاطع في عالمية الرسالة المحمدية وبقائها إلى قيام الساعة؛ فلا يشترط لقيام الحجة على الناس رؤية النبي صلى الله عليه وسلم عياناً أو مشاهدة معجزاته الحسية، بل مجرد بلوغ القرآن الكريم ببيانه ودلائله كافٍ قطعي في قيام الحجة ولزوم الإيمان وبطلان الاعتذار بالجهل؛ فكل من بلغه القرآن وسماعه ولم يؤمن فقد تمت عليه حجة الله البالغة واستوجب عقابه.
السؤال التقريري والإجابة الفورية {قُلِ اللَّهُ}: كمال الإفحام والإلزام؛ بادر بالسؤال ثم تولى الجواب بالحق؛ لأن الخصم لن يستطيع أن يذكر شاهداً أعظم من الله، فسكت معترفاً بعجزه.
التوكيد باللام وإن في {لَتَشْهَدُونَ} مع التوبيخ: إظهار للتعجب الشديد والإنكار البالغ لجرأتهم على الشهادة بوجود آلهة مع الله بلا برهان ولا أثارة من علم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
شعور المسلم بحمل أمانة البلاغ؛ فقوله: {وَمَن بَلَغَ} يجعل كل مسلم مأموراً بتبليغ هذا القرآن لمن لم يبلغه من الأمم والشعوب.
المفاصلة العقدية والوضوح في التوحيد؛ فالمؤمن لا يجامل في دينه ولا يشهد بالباطل، بل يصدع بالبراءة من الشرك وأهله متأسياً بنبيه صلى الله عليه وسلم.