أخرج الإمام الطبري في "جامع البيان" (12/ 227)جامع البيانالطبري١٢/٢٢٧ بسنده عن ابن عباس وقتادة والسدي في قوله تعالى: {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ}: "يقول تعالى لنبيه: قل يا محمد للمشركين الذين دعوك إلى عبادة آلهتهم: أأطلب رباً غير الله أعبده وأخضع له وهو رب كل شيء وخالقه ومليكه؟! وكيف أعبد مربوباً عاجزاً وأترك رب الأرباب وخالق الأكوان؟! ثم بيّن قاعدة العدل والمسؤولية الفردية: {وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا}؛ لا يؤاخذ أحد بذنب غيره، {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}؛ لا تحمل نفس مذنبة ذنب نفس أخرى، بل كل نفس مرهونة بكسبها، {ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ}".
قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (3/ 372)مصدر غير محدد٣/٣٧٢: "وقوله: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} إخبار عن عدل الله وحكمته في قضائه بين خلقه يوم القيامة؛ أنه لا يؤاخذ أحداً بذنب أحد، ولا يعاقب نفساً إلا بما كسبت هي، كما قال تعالى: {وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى}، وهذا رد على الجاهلية التي كانت تأخذ الرجل بجريرة أبيه أو حليفه أو قبيلته".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
(أَبْغِي): من البُغَاء، وهو الطلب والابتغاء والبحث عن الشيء.
(تَزِرُ): من الوِزْر، وهو الحِمْل الثقيل، ويُطلق في الشرع على الإثم والذنب لثقله وشؤمه على صاحبه؛ وزر يزر وزراً إذا حمل إثماً.
(وَازِرَةٌ): نفس حاملة للوزر والذنب؛ صفة لموصوف محذوف (أي ولا تحمل نفس وازرةٌ حملَ نفس أخرى).
الإعراب والتركيب:
{قُلْ}: فعل أمر مبني على السكون.
{أَغَيْرَ}: الهمزة للاستفهام الإنكاري التعجيبي، (غير) مفعول به مقدم لـ (أبغي) منصوب بالفتحة.
{اللَّهِ}: لفظ الجلالة مضاف إليه مجرور بالكسرة.
{أَبْغِي}: فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الياء، والفاعل مستتر وجوباً تقديره أنا.
{رَبًّا}: تمييز منصوب أو حال منصوبة من (غير الله). والجملة مقول القول.
{وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ}: الواو حالية، (هو) مبتدأ، رب خبره وهو مضاف وكل مضاف إليه وشيء مضاف إليه ثان؛ والجملة في محل نصب حال مؤكدة للإنكار.
{فَيُنَبِّئُكُم}: عاطفة، ينبئكم مضارع والكاف مفعول به والفاعل مستتر.
{بِمَا}: متعلق بـ (ينبئكم).
{كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ}: كان واسمها وخبرها وصلة ما لا محل لها من الإعراب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية وتأسيس مبدأ المسؤولية الفردية والعدالة المطلقة: لما دعا المشركون النبي صلى الله عليه وسلم إلى موافقتهم وقالوا: (اتبع سبيلنا ولنحمل خطاياك)، جاء الرد القرآني حاسماً في أمرين:
الاستحالة العقلية لطلب رب غير الله وهو خالق كل ذرة في الوجود.
نسف دعوى تحمل ذنوب الآخرين بتقرير القاعدة الدستورية الإلهية العادلة: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}؛ فكل إنسان مسؤول عن عمله وحده، ولا يحمل أحد خطيئة غيره.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دحض عقيدة "الخطيئة الموروثة" والفداء في النصرانية:
هذه الآية {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} برهان قرآني وعقلي قاطع ينسف العقيدة النصرانية المحرّفة في "الخطيئة الأصلية الموروثة" وفكرة صلب المسيح للتكفير عنها؛ فالقرآن يقرر أن كل إنسان يولد على الفطرة نقياً بريئاً، ولا يحمل ذنب أبيه آدم ولا ذنب أحد من أسلافه، وأن كل نفس مرهونة بما كسبت هي لا بما كسب غيرها.
توجيه أحاديث المؤاخذة بسن السنن السيئة:
قوله صلى الله عليه وسلم: «من سنّ في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة» لا يعارض الآية؛ لأن السانّ للبدعة والسيئة يُعاقب على "فعله هو وتسببه ودعوته إلى الضلال"، فوزره ناشئ عن كسب نفسه وإغوائه لا عن مجرد ذنب الآخرين.
الاستفهام الإنكاري المتضمن للبرهان في قوله {أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ}: جملة الحال {وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ} تحمل في طياتها الإلزام العقلي المسكت؛ إذ كيف يعبد عاقل رباً سواه وكل ما في الوجود مربوب له؟!
الصياغة القانونية الإعجازية المحكمة: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}؛ غاية الإيجاز والضبط والعدل الإلهي المطلق الذي تحار فيه العقول.
الحصر بـ {إِلَّا عَلَيْهَا}: لبيان أن وبال الذنب محصور في صاحبه ولا يتعداه إلى غيره بالظلم.
اللطائف الإشارية والتدبرية:
تجريد التوحيد يورث التحرر المطلق؛ فلا سلطان لمخلوق عليك، ولا يملك أحد أن يغفر ذنبك أو يحمل وزرك؛ فارتباطك المباشر برب العالمين وحده.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
اليقظة والمحاسبة الفردية:
تذكر الوقوف الفردي بين يدي الله؛ حيث يتخلى القريب عن قريبه والأب عن ولده، فيقبل العبد على خلاص نفسه بالعمل الصالح والتوبة الصادقة.
إرساء العدالة الجنائية في المجتمع:
تحريم العقوبات الجماعية أو مؤاخذة الأبرياء بجرائر أقاربهم؛ فالإسلام يقرر المسؤولية الجنائية الفردية الصارمة.