هذه الوصية العاشرة العظمى الخاتمة للوصايا العشر؛ وهي وصية الاعتصام بالصراط المستقيم ونبذ سبل الضلال والافتراق.
أخرج الإمام أحمد في "مسنده" (رقم 4142)مصدر غير محددحديث رقم ٤١٤٢ والنسائي وابن ماجه وابن جرير الطبري (12/ 186)مصدر غير محدد١٢/١٨٦ والحاكم وصححه والدارمي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطاً بيده مستقيماً، فقال: «هذا سبيل الله مستقيماً»، ثم خط خطوطاً عن يمينه وشماله، ثم قال: «وهذه السبل، ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه»، ثم قرأ: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}".
وروى الطبري وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ}: "قال: البدع والشبهات والأهواء والضلالات".
قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (3/ 361)مصدر غير محدد٣/٣٦١: "يأمر تعالى باتباع صراطه القويم، وهو ما شرعه على لسان رسوله من الكتاب والسنة؛ ونهى عن اتباع السبل، وهي الأهواء والبدع والآراء المحدثة والاختلاف في الأديان... ووحد سبيله لأن الحق واحد، وجمع السبل لتفرقها وتشعبها كما قال: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ}".
قال الشاطبي في "الاعتصام" (1/ 42)الاعتصامالشاطبي١/٤٢: "هذه الآية الكريمة هي قطب رحى الشريعة في التحذير من الابتداع في الدين ومفارقة الجماعة واتباع الأهواء المضلة".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
(السُّبُلَ): جمع سَبِيل، وهي الطرق؛ والمراد هنا: الطرق المنحرفة عن الحق؛ من البدع والضلالات والأهواء والعقائد المبتدعة.
(فَتَفَرَّقَ): أصله (فَتَتَفَرَّقَ) حُذفت إحدى التاءين تخفيفاً؛ والتفرق هو التشتت والانقسام والابتعاد عن الأصل الواحد.
الإعراب والتركيب:
{وَأَنَّ}: الواو عاطفة، (أنّ) حرف مشبه بالفعل للتوكيد ينصب الاسم ويرفع الخبر؛ والمصدر المؤول معطوف على ما تقدم من الوصايا (أي: ووصاكم بأن هذا صراطي).
{هَذَا}: اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب اسم (أنّ).
{صِرَاطِي}: خبر (أنّ) مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، والياء ضمير متصل مضاف إليه.
{مُسْتَقِيمًا}: حال منصوبة من (صراطي) مؤكدة لمضمون الجملة وعلامة نصبه الفتحة.
{فَاتَّبِعُوهُ}: الفاء فصيحة، اتبعوه فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل والهاء مفعول به.
{فَتَفَرَّقَ}: الفاء سببية، تفرق مضارع منصوب بأن مضمرة وجوباً بعد فاء السببية في جواب النهي وعلامة نصبه الفتحة، والفاعل مستتر تقديره هي يعود على السبل.
{بِكُمْ}: متعلق بـ (تفرق).
{عَن سَبِيلِهِ}: متعلق بـ (تفرق)، والهاء مضاف إليه.
قرأ الجمهور وحفص: {وَأَنَّ هَذَا} بفتح الهمزة وتشديد النون؛ عطفا على قوله {أَلَّا تُشْرِكُوا} أي: وأوصيكم بأن هذا صراطي.
وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وخلف: {وَإِنَّ هَذَا} بكسر الهمزة وتشديد النون على الاستئناف؛ وهو ابتداء خبر جازم مؤكد.
وقرأ نافع في رواية ورويس عن يعقوب: {وَأَنْ هَذَا} بفتح الهمزة وتخفيف النون وسكونها؛ مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن محذوف.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية وتاج الوصايا العشر: بعد أن عددت الآيتان السابقتان المحرمات والواجبات التفصيلية التسعة (التوحيد، بر الوالدين، كف الأذى عن الأولاد، اجتناب الفواحش، حرمة الدماء، حفظ مال اليتيم، إيفاء الكيل والميزان، العدل في القول، الوفاء بالعهد)، جاءت هذه الآية العاشرة كـ "الإطار العام الكلي والسياج الحامي" لجميع الوصايا السابقة؛ فكل تلك الوصايا تنتظم في صراط الله الواحد المستقيم، والواجب اتباعه مجتمعاً غير مجزأ، والحذر من السبل المنحرفة التي تمزق الأمة وتفرقها عن دينها.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
وحدة الحق وتعدد الباطل:
تأصل الآية لسر إفرادي وبلاغي مذهل: وحّد الله الصراط وأضافه إليه بصيغة الإفراد {صِرَاطِي... سَبِيلِهِ}؛ لأن الحق واحد لا يختلف ولا يتناقض في أصوله وثوابته؛ وجمع طرق الباطل {السُّبُلَ}؛ لأن الباطل متعدد ومتشعب ومتناقض وله في كل عصر مذاهب وأهواء ونحل شتى يقف على رأس كل منها شيطان يدعو إليه.
تنوع ختام الوصايا الثلاث بالترتيب التدريجي:
خُتمت الآية الأولى (151) بـ {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}؛ لأن المنهيات فيها أدرك قبحها العقل البشري السليم.
وخُتمت الآية الثانية (152) بـ {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}؛ لأن أحكام المعاملات والموازين مما قد يعتريه النسيان والغفلة ويحتاج إلى التذكير والتأمل.
وخُتمت الآية الثالثة (153) بـ {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}؛ لأن التقوى هي الغاية العليا والجامع لكل خصال البر واجتناب السبل المردية؛ فجاءت الفواصل في نهاية الإعجاز والكمال.
الإضافة التشريفية في {صِرَاطِي}: إضافة الصراط إلى ياء المتكلم (الله تعالى على لسان الرسول أو قول الله تعالى)؛ تشريفاً لهذا المنهج وتوكيداً لنسبته إلى الله.
المقابلة بين الإفراد والجمع: بين (صراطي / سبيله) مفردين، و(السبل) جمعاً؛ إشارة إلى وضوح المحجة البيضاء وتيه مسالك الضلال.
التحذير بفاء السببية {فَتَفَرَّقَ بِكُمْ}: تصوير للتشتت والضياع؛ فمن سلك بنيات الطريق تاه في صحراء الضلال وهلك.
اللطائف الإشارية والتدبرية:
صراط الله المستقيم كالسلك المشدود؛ من تمسك به وصل إلى بر الأمان، ومن تركه سقط في هاويات لا قاع لها.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
لزوم السنة والجماعة:
وجوب الاعتصام بالكتاب والسنة والتمسك بهدي السلف الصالح، ومجانبة البدع والمحدثات والفرقة في الدين؛ فالنجاة في الاتباع والهلاك في الابتداع.
وحدة الأمة الإسلامية:
الحذر من التحزب والتفرق الديني والفكري؛ فالإسلام دين جامع يرفض الشقاق، وصراط الله واحد يسع كل المؤمنين.