تكذيب قريش بالقرآن وتبرؤ النبي من الوكالة عليهم في الأثر:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (ج ١١، ص ٤٦١)جامع البيانالطبري١١/٤٦١ وابن أبي حاتم عن قتادة والسدي في قوله تعالى: {وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ}: «الضمير في {بِهِ} يعود على القرآن الكريم، وقيل: على العذاب الموعود به، وقيل: على ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من التوحيد والهدى؛ وقومه هم قريش؛ كذبوا بالقرآن وهو الحق والصدق واليقين من عند الله؛ {قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ} أي لست بحفيظ أحصي أعمالكم، ولا برقيب أملك إجباركم على الإيمان أو دفع العذاب عنكم، إنما أنا نذير والله على كل شيء وكيل».
وذكر ابن كثير في "تفسيره" (ج ٣، ص ٢٩١)مصدر غير محدد٣/٢٩١: «يقول تعالى مخبراً عن قريش أنهم كذبوا بهذا القرآن العظيم الذي أُنزل على نبيهم، مع كونه الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؛ وأمر رسوله أن يتبرأ من الوكالة عليهم؛ فليس مكلفاً بإكراههم ولا بمجازاتهم».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
قَوْمُكَ
عشيرتك وأهل مكة من قريش؛ وتخصيصهم بالإضافة للتشريف والتحسير على فوات شرفهم بسبقهم.
وَهُوَ الْحَقُّ
الواو حالية، والحق الثابت المطابق للواقع الذي لا يداخله باطل.
بِوَكِيلٍ
الوكيل الحفيظ الكفيل الموكل بحفظ الشيء والقيام به جبراً أو قسراً.
وَكَذَّبَ
الواو عاطفة أو استئنافية، كذب ماضٍ مبني على الفتح.
بِهِ
متعلق بكذب والضمير يعود على القرآن أو العذاب.
قَوْمُكَ
فاعل كذب مرفوع بالضمة والكاف مضاف إليه.
وَهُوَ
الواو حالية، هو ضمير منفصل مبتدأ.
الْحَقُّ
خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة، والجملة في محل نصب حال من الضمير في به.
قُل
أمر مبني على السكون.
لَّسْتُ
فعل ماضٍ ناقص واسمه التاء.
عَلَيْكُم
متعلق بوكيل أو بحال محذوفة منه والكاف مضاف إليه والميم للجمع.
بِوَكِيلٍ
الباء حرف جر زائد لتأكيد النفي، وكيل مجرور لفظاً منصوب محلاً خبر لست، وجملة لست واسمها وخبرها مقول القول في محل نصب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إسقاط حجج المكذبين ببيان كمال البلاغ وبراءة الذمة:
بعد أن بين تصريف الآيات في الآية السابقة وأنذر بالعذاب، عقب هنا بتسجيل موقف قريش الأليم؛ فهم عشيرته الأقربون وقومه الذين كان يرجى منهم النصرة، كذبوا بالحق الساطع؛ فجاء التوجيه الإلهي الصارم بإعلان براءة الذمة: لست موكلاً بحفظكم ولا بقسركم على الهداية، وعليكم تقع تبعة التكذيب.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
حقيقة نفي الوكالة وعلاقتها بآيات الجهاد والأمر بالمعروف:
ظن بعض المتأخرين أن قوله: {لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ} منسوخ بآية السيف والقتال!
والتحقيق الأصولي المحكم (القرطبي وابن تيمية وابن كثير والشنقيطي): أن الآية محكمة غير منسوخة؛ لأن نفي الوكالة هنا هو "نفي الإلجاء القلبي وتولي الحساب وخلق الإيمان في صدورهم"؛ وهذا أمر لا يملكه أحد سوى الله في كل وقت وحين، والجهاد إنما هو قتال للظالمين والمعتدين وتمكين لدين الله في الأرض، لا إكراه للقلوب على الاعتقاد: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}.
الجملة الحالية {وَهُوَ الْحَقُّ}: جملة اعتراضية حالية تدمغ تكذيبهم بالشناعة والسفاهة؛ فتكذيب الشيء المشكوك فيه قد يعذر صاحبه، أما تكذيب الحق الصراح المستبين فهو غاية الظلم والجهل.
تأكيد النفي بالباء في {بِوَكِيلٍ}: لقطع أي طمع أو تعلق؛ فالنبي بريء من التورط في تبعات عنادهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
أداء أمانة البلاغ والنصح للناس دون إرهاق النفس بمحاولة قسرهم على الهداية؛ فالهداية بيد مقلب القلوب.
الثبات على الحق والافتخار به ولو كذب به أقرب الناس وعاداه المجتمع كله.