أهوال الوقوف على جهنم وتمني الرجوع إلى دار التكليف:
أخرج ابن جرير الطبري (ج ١١، ص ٣٢٦)مصدر غير محدد١١/٣٢٦ وابن أبي حاتم عن السدي في قوله تعالى: {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ}: «أي حبسوا عليها وعاينوها وشهدوا زفيرها وشهيقها وسلاسلها وأغلالها، فودوا وتمنوا لو يردون إلى الدنيا فيعملون صالحاً ولا يكذبون بآيات ربهم».
وروى الطبري عن قتادة: «{فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ}: تمنوا الرجعة حين لا رجعة، ورأوا الحق عياناً بعد أن كانوا به مستهزئين مكذبين».
وذكر ابن كثير في "تفسيره" (ج ٣، ص ٢٥٧)مصدر غير محدد٣/٢٥٧: «يذكر تعالى حال الكفار إذا أوقفوا يوم القيامة على النار، وشاهدوها وما فيها من السلاسل والأغلال، ورأوا بأعينهم تلك الأهوال العظام، فحينئذ قالوا نادمين متمنين: يا ليتنا نرد إلى الدار الدنيا لنؤمن بآيات ربنا ونكون من المؤمنين».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات والدلالات:
{وُقِفُوا}: أُقيموا وحُبسوا على شفير جهنم محاذاة لها ومطالعة لعذابها.
{يَا لَيْتَنَا}: حرف نداء والمنادى محذوف أو يا لمجرد التنبيه، وليت حرف تمنٍّ لما هو مستحيل الوقوع.
{نُرَدُّ}: نُرجع إلى الدنيا ودار التكليف ثانية.
القراءات المتواترة في {وَلَا نُكَذِّبَ... وَنَكُونَ}:
١. قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم: {وَلَا نُكَذِّبَ} بنصب الباء، {وَنَكُونَ} بنصب النون؛ على أنهما منصوبان بأن مضمرة في جواب التمني؛ والمعنى: يا ليتنا نجمع بين الرد وعدم التكذيب وكوننا من المؤمنين.
٢. وقرأ ابن عامر: {وَلَا نُكَذِّبُ} برفع الباء عطفاً على {نُرَدُّ}، ونصب {وَنَكُونَ} جواباً للتمني.
٣. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وشعبة عن عاصم وأبو جعفر ويعقوب: {وَلَا نُكَذِّبُ... وَنَكُونُ} برفع الباء والنون معاً؛ عطفاً على {نُرَدُّ} الداخله تحت التمني؛ أي: يا ليتنا نرد، ويا ليتنا لا نكذب، ويا ليتنا نكون من المؤمنين؛ أو الرفع على الاستئناف؛ أي ونحن لا نكذب بعد اليوم ونحن نكون من المؤمنين إخباراً عن أنفسهم.
الإعراب والتركيب:
{وَلَوْ}: الواو استئنافية، لو حرف امتناع لامتناع أو شرطية.
{تَرَىٰ}: مضارع مرفوع بضمة مقدرة والفاعل مستتر تقديره أنت (وجواب لو محذوف لتهويل الأمر وتقديره: لرأيت أمراً عظيماً هائلاً لا تحيط به العبارة).
{إِذْ}: ظرف لما مضى من الزمان استعمل في المستقبل لتحقق وقوعه متعلق بترى.
{وُقِفُوا}: ماضٍ مبني للمجهول والواو نائب فاعل والجملة في محل جر بالإضافة لـ إذ.
{عَلَى النَّارِ}: جار ومجرور متعلق بوقفوا.
{فَقَالُوا}: الفاء عاطفة، قالوا ماضٍ والواو فاعل.
{يَا}: أداة تنبيه.
{لَيْتَنَا}: ليت حرف مشبه بالفعل ونا اسمها.
{نُرَدُّ}: مضارع مبني للمجهول مرفوع ونائب الفاعل مستتر تقديره نحن والجملة في محل رفع خبر ليت.
{وَلَا نُكَذِّبَ}: الواو واو المعية، لا نافية، نكذب مضارع منصوب بأن مضمرة وجوباً بعد واو المعية الواقعة في جواب التمني والفاعل مستتر.
{بِآيَاتِ}: متعلق بنكذب.
{رَبِّنَا}: مضاف إليه ونا مضاف إليه.
{وَنَكُونَ}: الواو عاطفة على نكذب منصوب بالفتحة واسمه مستتر.
{مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}: جار ومجرور خبر نكون.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانتقال البصري المرعب إلى مشهد الجزاء العياني ومحاكمة الأماني الزائفة:
بعد أن فضح في الآيات السابقة كذبهم على أنفسهم ونفورهم من الاستماع إلى الوحي ونأيهم عنه، نقل المشهد مباشرة إلى المآل النهائي لذلك النفور؛ فأوقفهم على شفير جهنم وهم يعاينون عذابها لهيباً وسعيراً؛ لتنقلب سياستهم وجدالهم الفارغ في الدنيا إلى صرخات تمنٍّ بائسة يطلبون فيها الرجوع إلى الدنيا للإيمان؛ فكان الانتقال أبلغ في زجر الغافلين وتثبيت المؤمنين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق دلالة التمني ومدى صدق الرغبة في الإيمان:
هل كان تمنيهم صادراً عن توبة حقيقية وإنابة قلبية؟!
تجيب الآيات التالية فوراً بالنفي؛ فهذا التمني لم يكن إيماناً باختيار ورغبة في الحق لذاته، بل كان ردة فعل فطرية للفرار من العذاب الحاضر؛ فالإيمان المعتبر شرعاً هو الإيمان بالغيب اختياراً، أما الإيمان بعد معاينة جهنم فهو إيمان اضطرار ملجأ لا قيمة له؛ ولذلك أعقبته الآية التالية ببيان طبيعتهم لو كُشف عنهم العذاب: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ}.
حذف جواب {وَلَوْ تَرَىٰ}: من أسمى لطائف البلاغة القرآنية؛ حُذف الجواب ليذهب الوهم والخيال كل مذهب في تصوير هول الموقف وفظاعة المشهد؛ فلو صُرح بالجواب لقصر عن الإحاطة بهول المطلع.
التعبير بـ {عَلَى النَّارِ}: يفيد الاستعلاء والإشراف؛ فهم فوقها يشاهدون قعرها ولهيبها تتلظى تحت أقدامهم قبل أن يُطرحوا فيها، وهو أشد في التعذيب النفسي والهلع.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استحضار مشهد الوقوف على النار للزجر عن المعاصي والتفريط، والتوبة إلى الله قبل فوات الأوان وانقطاع حبال الأماني.
إدراك نعمة البقاء في دار المهلة؛ فنحن اليوم في دار عمل ولا حساب، وغداً في دار حساب ولا عمل؛ فما يتمناه أهل النار حاصل لنا الآن فلنبادر باغتنامه.