أخرج الإمام الطبري في "جامع البيان" (12/ 164)جامع البيانالطبري١٢/١٦٤ بسنده عن قتادة ومجاهد في قوله تعالى: {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ}: "يقول تعالى لنبيه: قل لهؤلاء المشركين المحتجين بالقدر: فلله الحجة القاطعة والبرهان الدامغ الذي بلغ غاية الوضوح بإنزال الكتب وإرسال الرسل وتوضيح الدلائل؛ فلله الحجة عليكم بإعذاره وإنذاره، ولا حجة لكم على الله في شرككم ومعاصيكم، ولو شاء لهداكم أجمعين مشيئة قسر وإلجاء ولكنه ابتلاكم بالاختيار وميّز بين الخبيث والطيب بحكمته".
قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (3/ 356)مصدر غير محدد٣/٣٥٦: "يقول تعالى لنبيه: {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ} أي: له الحكمة التامة والحجة البالغة على خلقه؛ التي قطع بها معاذيرهم وأقام بها براهينه عليهم، {فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} كقوله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا}، وقوله: {وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا}؛ فله الحكمة البالغة في هداية من هدى وإضلال من أضل، لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون".
قال القرطبي (7/ 118)مصدر غير محدد٧/١١٨: "الحجة البالغة هي التي قطعت عذر المحجوج وألزمته الحجة حتى لا يبقى له شبهة؛ وحجة الله هي رسله وكتبه وبراهين عقول خلقه".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
(الْحُجَّةُ): الدلالة والبرهان الذي يُقصد به إثبات الحق ودحض الباطل؛ مأخوذة من الحَجّ وهو القصد؛ لأنها تقصد إبانة الحق.
(الْبَالِغَةُ): التامة القاطعة التي بلغت أقصى مراتب الوضوح والكمال بحيث لا تدع عذراً لمعتذر.
الإعراب والتركيب:
{قُلْ}: فعل أمر والفاعل مستتر تقديره أنت.
{فَلِلَّهِ}: الفاء فصيحة واقعة في جواب شرط مقدر (إن لم تكن لكم حجة فلله الحجة)، واللام حرف جر، ولفظ الجلالة مجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم.
{فَلَوْ}: الفاء عاطفة تفريعية، لو شرطية غير جازمة تفيد الامتناع للامتناع.
{شَاءَ}: فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل مستتر تقديره هو، ومفعول المشيئة محذوف تقديره (هدايتكم).
{لَهَدَاكُمْ}: اللام واقعة في جواب لو، هداكم فعل ماض ومفعول به، والفاعل مستتر تقديره هو.
{أَجْمَعِينَ}: توكيد منصوب للكاف والميم في هداكم وعلامة نصبه الياء. وجملة لو وما بعدها معطوفة على مقول القول.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية وحسم المناظرة بتقرير سيادة الحجة الإلهية: بعد أن ألجمهم في الآية السابقة وطالبهم بإخراج علمهم وفضح اتباعهم للظن والخرص، جاء هذا الحكم الإلهي الموجز الحاسم ليعلن المرجعية العليا: الحجة التامة البالغة لله وحده؛ قامت بالرسل والبراهين ووضوح الأدلة؛ وكون الله لم يجبرهم على الهدى لا يعطيهم حجة للشرك؛ لأن مشيئته اقتضت ابتلاءهم وتكليفهم لا قهرهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
تحقيق معنى "الحجة البالغة" وتفنيد شبهة الجبر:
بين أئمة السنة كابن تيمية وابن القيم أن قوله: {فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ} رد صريح على طائفتين:
القدرية النفاة: الذين يزعمون أن الله لا يقدر على هداية الجميع؛ فرد الله عليهم بقوله: {فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} فأثبت كمال قدرته ومشيئته العامة.
الجبرية والزنادقة المحتجين بالقدر: الذين يزعمون أن مشيئة الله للشرك عذر للمشركين؛ فرد الله عليهم بقوله: {فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ}؛ فلو كان القدر حجة للمكذب لما كانت لله حجة بالغة عليهم! لأن المحتج بالقدر يزعم أنه معذور مجبور؛ فدل ثبوت الحجة البالغة لله على بطلان حجة القدر ودعوى الجبر، وأن العبد يفعل باختياره وإرادته بعد قيام الحجة الرسالية عليه.
تقديم الجار والمجرور {فَلِلَّهِ}: لإفادة القصر والحصر؛ أي لله وحده الحجة البالغة دون سواه، ولا حجة لأحد من خلقه عليه أبداً.
الوصف بـ (الْبَالِغَةُ): اسم فاعل يدل على النفوذ والوصول إلى سويداء القلوب والعقول وإلزامها بالحق إفحاماً وقطعاً لكل شبهة.
الإيجاز الإعجازي في الجمع بين كمال العدل وكمال القدرة: فالحجة البالغة تثبت كمال عدله وحكمته، و{لَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} تثبت كمال قدرته وغناه.
اللطائف الإشارية والتدبرية:
حجة الله قائمة في كل ذرة في الكون، وفي كل آية من كتابه، وفي فطرة كل إنسان؛ فمن هلك فإنما يهلك بعد قيام الحجة وانقطاع المعذرة {لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ}.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
اليقين بكمال حكمة الله:
الرضا المطلق عن الله في قضائه وقدره وشرعه؛ فلا يعترض مؤمن على حكم ربه، بل يعلم أن لله الحكمة البالغة التي تقصر عقول البشر عن الإحاطة بجميع أسرارها.
إقامة الحجة في الدعوة:
اقتداء الدعاة بالمنهج القرآني في إقامة الحجة البالغة بالدليل الواضح والبيان الصادق الذي لا يترك مجالاً للبس.