أخرج الإمام الطبري في "جامع البيان" (12/ 112)جامع البيانالطبري١٢/١١٢ وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ}: "هو الزكاة المفروضة؛ العشر ونصف العشر إذا صُرم النخل وحُصد الزرع".
وروى مجاهد وسعيد بن جبير وعطاء والضحاك: "كان الرجل إذا حصد زرعه وجذّ نخله، يلقي للفقراء والمساكين من الضغث والسنبل والعراجين والقبضة بعد القبضة، فكان هذا حقه قبل نزول فرض الزكاة ذات الأنصاب المقدرة، ثم أُحكمت بالزكاة المفروضة".
قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (3/ 346)مصدر غير محدد٣/٣٤٦: "يبيّن تعالى أنه الخالق لجميع الأشجار والزروع والثمار التي يقتات بها العباد، راداً على المشركين الذين ابتدعوا في الأنعام والزروع تحريمات باطلة... {وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ} أي: بساتين مرفوعات على دعائم وسُرش كالكَروم، {وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ} أي: قائمة على أصولها بلا عرش كالنخل وسائر الأشجار... {كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ} إباحة وإنعاماً، {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} وهو إخراج زكاته أو الصدقة منه يوم جذاذه، {وَلَا تُسْرِفُوا} أي: لا تسرفوا في الأكل، أو لا تسرفوا في التصدق حتى تضيعوا عيالكم، أو لا تسرفوا في المعاصي وإعطاء من لا يستحق، {إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
(مَّعْرُوشَاتٍ): من العَرْش، وهو رفع البناء وتسويم السقف والدعائم لما ينبسط من الكروم والأعناب على الدعائم الخشبية.
(أُكُلُهُ): الأُكُل بضم الهمزة والكاف هو الثمر المأكول وما يؤكل من النبات.
(مُتَشَابِهًا): متماثلاً في الورق أو المنظر أو الهيئة، ومختلفاً في الطعم والمذاق والنفع.
(حَصَادِهِ): وقت قطعه وجذاذه وصرمه؛ يُقال حَصَدَ الزرع حَصاداً وحِصاداً.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية وبرهان الامتنان في مواجهة التحريم المبتدع: بعد أن فضح الله تحريمهم المبتدع لما في بطون الأنعام والزروع في الآيات السابقة، واجههم بالبرهان الحي المحسوس الممتن به عليهم: إن الذي خلق لكم هذه البساتين والأعناب والنخيل والزروع مختلفة الطعوم والألوان والروائح هو الله وحده المنعم المتفرد؛ وهو الذي أمركم أن تأكلوا من ثمره ولا تحرموه على أنفسكم، وأمركم بإيتاء حقه للفقراء والمحتاجين شكراً للنعمة؛ فكيف تعصون المنعم وتتبعون أوثانكم بالتحريم والشرك؟!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تقرير وجوب زكاة الزروع والثمار وأحكامها:
الآية الكريمة أصل عظيم من أصول وجوب الزكاة في الخارج من الأرض من الحبوب والثمار؛ وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم تفصيل هذا الإجمال في الأحاديث المتواترة: «فيما سقت السماء والعيون أو كان عَثَرياً العشر، وما سُقي بالنضح نصف العشر» (رواه البخاري)، وبيّن النصاب بخمسة أوسق: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة».
تحديد النهي عن الإسراف في النفقات:
قوله {وَلَا تُسْرِفُوا}: تضمن ضوابط السلوك الاقتصادي والاستهلاكي في الإسلام؛ فالإسراف منهي عنه في كل شيء:
الإسراف في الأكل والشرب والتبذير.
الإسراف في التصدق بحيث يتصدق بماله كله ويدع أهله وعياله عالة يتكففون الناس؛ كما قال سعد بن أبي وقاص حين أراد التصدق بماله فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الثلث والثلث كثير، إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس» (رواه البخاري ومسلم).
الإسراف في المعاصي وصرف المال في المحرمات؛ فدرهم في حرام إسراف وتبذير وإن قل.
التفصيل الإعجازي في تصنيف النبات: (معروشات، غير معروشات، نخل وزرع مختلف الأكل، زيتون ورمان متشابه وغير متشابه)؛ استعراض مشهدي بديع لعجائب القدرة الإلهية حيث تنبت الأرض الواحدة أنواعاً شتى تسقى بماء واحد وتختلف في الطعوم والأشكال.
الأمر بالإطعام مقروناً بـ {يَوْمَ حَصَادِهِ}: توقيت دقيق تراعى فيه مشاعر الفقراء الذين يشهدون الحصاد وتشرئب نفوسهم للثمار؛ فالمبادرة بالعطاء وقت الفرح بالرزق تجمع القلوب وتطهر النفوس من الشح.
اللطائف الإشارية والتدبرية:
خضوع النبات لتدبير الله برهان على البعث؛ فالذي يخرج من النواة والحبة شجرة باسقة وثماراً يانعة قادر على إحياء العظام وهي رميم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوازن والاعتدال في الحياة المالية:
تبني منهج القصد والاعتدال؛ فلا تقتير يحرم النفس والفقراء، ولا إسراف يضيع الأصول ويوقع في التبذير والندامة.
التكافل الاجتماعي ورعاية الفقراء:
إخراج زكاة الزروع والصدقات في موعدها شكراً للمنعم، وترسيخاً للمحبة بين الأغنياء والفقراء في المجتمع المسلم.