تخفيف الحرج عن المؤمنين ووجوب التذكير في الأثر ومأثور التفسير:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (ج ١١، ص ٤٦٩)جامع البيانالطبري١١/٤٦٩ وابن أبي حاتم عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: «لما نزلت الآية التي قبلها: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} قال المسلمون: يا رسول الله، كيف نسكن مكة ونحن نطوف بالبيت ونجلس في المسجد وهم يخوضون ويستهزئون؟! إذن نعتزل المسجد ولا نطوف بالبيت! فأنزل الله تعالى: {وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَلَٰكِن ذِكْرَىٰ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}؛ أي: ليس عليكم من إثم خوضهم شيء إذا اتقيتم الله ولم توافقوهم على باطلهم، ولكن ذكّروهم وعظوهم بالحق لعلهم يتقون».
وروى الطبري عن قتادة ومجاهد: «{وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ}: برأ الله أهل التقوى من أوزار الخائضين إذا اعتزلوهم وأنكروا عليهم؛ {وَلَٰكِن ذِكْرَىٰ} أي عليهم أن يذكروهم وينصحوهم؛ لعل الخائضين يتقون الله فيكفون عن الخوض».
وذكر ابن كثير في "تفسيره" (ج ٣، ص ٢٩٣)مصدر غير محدد٣/٢٩٣: «أي إذا اجتنبتموهم وأعرضتم عنهم، فأنتم براء من إثمهم وما عليهم من الحساب، ولا يلحقكم من وبال خوضهم شيء؛ ولكن عليكم أن تذكروهم وتنهوهم بالمعروف رجاء أن يتقوا الله».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
الَّذِينَ يَتَّقُونَ
المؤمنون المتقون للشرك والمعاصي وموافقة الخائضين.
مِنْ حِسَابِهِم
من إثم مؤاخذتهم ومسؤوليتهم الجنائية عن كفرهم واستهزائهم.
وَلَٰكِن ذِكْرَىٰ
ولكن الواجب تذكيرهم وموعظتهم ونهيهم عن المنكر.
لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
رجاء أن يكف الخائضون عن باطلهم ويتقوا عذاب الله.
وَمَا
الواو استئنافية، ما نافية لا عمل لها.
عَلَى الَّذِينَ
جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم.
يَتَّقُونَ
مضارع والواو فاعل والجملة صلة الموصول لا محل لها.
مِنْ حِسَابِهِم
متعلق بمحذوف حال من شيء والهاء مضاف إليه والميم للجمع.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
رفع الحرج والموازنة بين الإنكار وبراءة الذمة:
تناسق تشريعي بديع؛ فلما نزل النهي الصارم عن القعود مع الخائضين وخشي المسلمون بمكة أن تلحقهم آثام المشركين في المسجد الحرام والأسواق، نزل هذا البيان المطمئن؛ ليقرر قاعدة التبعية الفردية: ليس على المتقين من حساب أولئك المجرمين شيء، إنما وظيفتهم التذكير والإنكار، فإن أدوا ما عليهم واجتنبوا الرضا بباطلهم فقد برئت ذمتهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق مناط الإعفاء من المسؤولية وضابط "التذكير":
تبين الآية أصلاً عقدياً ودعوياً كبيراً:
أن المسلم لا يتحمل ذنب غيره: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ}، فإذا كان في مكان عام كالمسجد أو السوق وخاض الكفار في باطل، لم يضره ذلك إذا كان متمسكاً بتقواه منكراً لباطلهم بقلبه أو لسانه.
أن الواجب على المتقي عند المخالطة هو "التذكير": {وَلَٰكِن ذِكْرَىٰ}؛ فإن أمكنه وعظهم وتذكيرهم فعل، فإن أصروا على الخوض والطعن فارقهم وأعرض عنهم.
تأكيد النفي بـ {مِّن شَيْءٍ}: استغراق تام لبراءة ذمة المتقين؛ فلا ينالهم أدنى حظ من المؤاخذة على جرائم أولئك الخائضين.
التذييل بـ {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}: بعث للأمل الدعوي؛ فالداعية لا ييأس من تذكير العاصين؛ فلعل الكلمة الصادقة توقظ في قلوبهم خشية الله وتقودهم إلى التقوى.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
سلامة الضمير؛ فالمسلم لا يشعر بعقدة الذنب لمجرد وجود الفساد في المجتمع ما دام قائماً بواجبه في التقوى والإنكار والأمر بالمعروف.
جعل التذكير بالله والموعظة الحسنة ديدن الداعية في كل محفل يبلغه.