سبب النزول وعقوبة الجحود في استماع زعماء قريش للقرآن:
أخرج ابن إسحاق في "السيرة" (ج ١، ص ٥٤٦)المغازيابن إسحاق١/٥٤٦ وابن جرير الطبري (ج ١١، ص ٣١٦)مصدر غير محدد١١/٣١٦ وابن أبي حاتم والبغوي عن عبد الله بن عباس ومحمد بن كعب القرظي قالا: «اجتمع عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو سفيان بن حرب، والنضر بن الحارث، وأبو جهل بن هشام، والوليد بن المغيرة، فاستمعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ القرآن، فقالوا للنضر بن الحارث (وكان قد قدم فارس وتعلم أحاديث ملوكهم ورستم وإسفنديار): يا أبا قتيلة، ما يقول محمد؟ فقال: والذي جعلها بيته ما أدري ما يقول، إلا أني أرى تحريك شفتيه، وما يقول إلا أساطير الأولين مثل ما كنت أحدثكم به عن قرون فارس؛ فأنزل الله تعالى: {وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ۖ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ...} الآية».
وروى الطبري عن قتادة: «الأكنة: الأغطية والغلف على القلوب، والوقر: الصمم والثقل في الآذان؛ عوقبوا بحرمان الفهم لما استكبروا عن الحق وصدوا عنه».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
يَسْتَمِعُ
الاستماع هو الإصغاء بالأذن طلباً لسماع الصوت؛ والزيادة في المبنى تدل على الزيادة في المعنى؛ أي يجهدون أنفسهم في الإصغاء ليس طلباً للهداية، بل لترصد الزلل والمجادلة بالباطل.
أَكِنَّةً
جمع كِنان، وهو الغطاء والحجاب الكثيف الساتر للشيء.
يَفْقَهُوهُ
الفقه إدراك المعنى بدقة وفهم مراد الخطاب والتأثر به؛ أي كراهة أن يفهموه ويفقهوه.
وَقْرًا
الثقل والصمم المانع من السماع النافع؛ من وقرت الأذن إذا ثقل سمعها.
أَسَاطِيرُ
جمع أسطورة، وهي الأكاذيب والأحاديث المكتوبة المسطرة من خرافات الأمم السالفة التي لا حقيقة لها.
وَمِنْهُم
الواو استئنافية، منهم جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم.
مَّن
اسم موصول مبني في محل رفع مبتدأ مؤخر.
يَسْتَمِعُ
مضارع مرفوع والفاعل مستتر يعود على من والجملة صلة الموصول.
إِلَيْكَ
متعلق بيستمع.
وَجَعَلْنَا
الواو عاطفة أو حالية، جعلنا فعل ماضٍ ونا فاعل.
عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ
متعلق بمحذوف مفعول به ثانٍ لجعلنا أو متعلق بأكنة، والهاء مضاف إليه.
أَكِنَّةً
مفعول به أول لجعلنا منصوب بالفتحة.
أَن
حرف مصدري ونصب.
يَفْقَهُوهُ
مضارع منصوب بحذف النون والواو فاعل والهاء مفعول به، والمصدر المؤول (أن يفقهوه) في محل نصب مفعول لأجله بتقدير (كراهة أن يفقهوه) أو (لئلا يفقهوه).
وَفِي آذَانِهِمْ
الواو عاطفة، في آذانهم متعلق بفعل محذوف تقديره (وجعلنا في آذانهم) أو متعلق بوقراً.
وَقْرًا
مفعول به منصوب بالفتحة.
وَإِن
الواو عاطفة، إن حرف شرط جازم.
يَرَوْا
مضارع مجزوم بحذف النون والواو فاعل.
كُلَّ
مفعول به منصوب وهو مضاف.
آيَةٍ
مضاف إليه.
لَّا
نافية.
يُؤْمِنُوا
مضارع مجزوم بحذف النون جواب الشرط والواو فاعل.
بِهَا
متعلق بيؤمنوا.
حَتَّىٰ
حرف غاية وابتداء.
إِذَا
ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه.
جَاءُوكَ
ماضٍ وفاعله ومفعوله والجملة في محل جر بإضافة إذا إليها.
يُجَادِلُونَكَ
مضارع والواو فاعل والكاف مفعول به والجملة حالية من فاعل جاءوك.
يَقُولُ
مضارع وهو جواب إذا.
الَّذِينَ
فاعل يقول.
كَفَرُوا
ماضٍ والواو فاعل وصلة الموصول.
إِنْ
حرف نفي بمعنى ما.
هَٰذَا
ها للتنبيه، ذا اسم إشارة مبتدأ.
إِلَّا
أداة حصر ملغاة.
أَسَاطِيرُ
خبر المبتدأ مرفوع بالضمة وهو مضاف.
الْأَوَّلِينَ
مضاف إليه مجرور بالياء، وجملة المبتدأ والخبر مقول القول.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
سياق مذهل يصور واقع التلقي لدى صناديد الشرك في مكة؛ فبعد أن بين كذبهم وافتراءهم في عرصات القيامة، كشف هنا عن مظهر من مظاهر عماهم الفكري في الدنيا؛ فهم يحضرون مجالس النبي صلى الله عليه وسلم ويستمعون إلى آيات القرآن المعجزة بأسماعهم الظاهرة، ولكن قلوبهم مقفلة وآذانهم ثقيلة بعقوبة سننية عادلة؛ فلا يزيدهم سماع الآيات إلا جدالاً وسفاهة ورمياً للوحي بأنه خرافات بالية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
تحقيق عقيدة أهل السنة في إسناد الجعل {وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً} ورد شبهات المعتزلة والجبرية:
استدلت المعتزلة بنفي خلق أفعال العباد، فزعموا أن الجعل هنا مجاز أو مسمى للخذلان، بينما زعم الجبرية أن العباد مجبرون مسلوبو الإرادة!
وتحقيق أهل السنة والجماعة (ابن تيمية في "منهاج السنة" ج ٣، ص ١١٢، وابن القيم في "شفاء العليل" ص ٨٨):
أن الجعل حقيقي من الله قدراً وقضاءً، وهو عقوبة عادلة منه سبحانه على سابغ كفرهم وعنادهم واستهزائهم بالحق أول مرة؛ كما قال تعالى: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ}، وكما قال: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ}.
فالعبد هو الذي اختار الإعراض والتكذيب والمجادلة بالباطل ابتداءً، فعاقبه الله بضرب الأكنة والوقر على قلبه وسمعه جزاءً وفاقاً؛ فلم يظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون.
المجاز والاستعارة في {أَكِنَّةً} و {وَقْرًا}: تصوير حسي بديع لانغلاق منافذ المعرفة؛ جعل القلوب كأجرام مغطاة بأغلفة سميكة لا ينفذ إليها نور، والآذان كأنها مسدودة بوقر ثقيل لا تسمع موعظة، مما يعكس استحالة انتفاعهم بالهدى ما داموا مستكبرين.
التعبير بـ {إِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا}: استعمال لفظ العموم والاستغراق {كُلَّ آيَةٍ} لبيان أن علتهم ليست في نقص البراهين ولا خفاء الحجج، بل في العناد المتأصل الذي لا تجدي معه معجزة ولا آية.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
وجوب تطهير القلب عند سماع القرآن الكريم من الكبر والجدال وحب الانتصار للنفس حتى ينتفع بأنواره وهداياته.
الخوف والوجل من عقوبة "الران" و"الأكنة"؛ فإن الاستهانة بالحق والإصرار على المعصية يورث قسوة في القلب وانسداداً في منافذ البصيرة.