أخرج الإمام الطبري في "جامع البيان" (12/ 130)جامع البيانالطبري١٢/١٣٠ بسنده عن ابن عباس ومجاهد وقتادة في قوله تعالى: {وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ}: "هذا تمام الثمانية أزواج المذكورة في الآية السابقة؛ فذكر الضأن والمعز ثم ثنّى بالإبل والبقر؛ لأن العرب كانت تعتمد عليها في معاشها وتحرم منها ما يحلو لها من البحيرة والسائبة والحام".
قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (3/ 349)مصدر غير محدد٣/٣٤٩: "كرر تعالى الحجة العقلية الإفحامية عليهم في الإبل والبقر كما قررها في الضأن والمعز... ثم ارتقى في إلزامهم بالمناظرة الحسية والتاريخية: {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا} أي: أحضرتم وشاهدتم ربكم حين وصاكم بهذا التحريم وشرعه لكم؟! ومعلوم قطعاً أنهم لم يشهدوا ذلك ولا نزل عليهم كتاب ولا رسول قبلك يأمرهم به، فتعيّن أن تحريمهم افتراء وكذب محض، {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِّيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ} أي: لا أحد أظلم ولا أعتى جرماً ممن اختلق الكذب على الله ليصرف العباد عن صراطه المستقيم، {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}".
قال القرطبي (7/ 114)مصدر غير محدد٧/١١٤: "أول من سنّ للعرب تسييب السوائب وبحْر البحائر وتحريم الأنعام هو عمرو بن لحي الخزاعي؛ رآه النبي صلى الله عليه وسلم يجر قُصْبَه (أمعاءه) في النار؛ لأنه كان أول من بدّل دين إبراهيم وافترى على الله الكذب ليضل الناس بغير علم".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
(شُهَدَاءَ): جمع شهيد أو شاهد؛ أي حاضرين معاينين وقت صدور الوصية.
(وَصَّاكُمُ): الوصية هي الأمر المؤكد المقترن بالموعظة والعهد.
الإعراب والتركيب:
{وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ}: معطوف على ما تقدم في الآية السابقة؛ الجار والمجرور متعلق بمحذوف حال، و(اثنين) مفعول به معطوف منصوب بالياء.
{وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ}: معطوف منصوب بالياء.
{قُلْ}: فعل أمر مبني على السكون.
{آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنثَيَيْنِ}: إعرابها متطابق تماماً مع الآية السابقة (استفهام إنكاري وحصر للأقسام).
{أَمْ}: حرف عطف منقطعة بمعنى (بل) والهمزة، تفيد الإضراب الانتقالي والاستفهام الإنكاري.
{كُنتُمْ}: فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمها.
{شُهَدَاءَ}: خبر (كنتم) منصوب وعلامة نصبه الفتحة من غير تنوين لأنه ممنوع من الصرف.
{إِذْ}: ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون متعلق بـ (شهداء).
{وَصَّاكُمُ}: فعل ماض مبني على الفتح المقدر، والكاف مفعول به، والميم للجمع.
{اللَّهُ}: لفظ الجلالة فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة، وجملة وصاكم في محل جر بالإضافة.
{بِهَذَا}: متعلق بـ (وصاكم).
{فَمَنْ}: الفاء استئنافية، (مَن) اسم استفهام إنكاري بمعنى النفي في محل رفع مبتدأ.
{أَظْلَمُ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
{مِمَّنِ}: جار ومجرور متعلق بـ (أظلم).
{افْتَرَى}: فعل ماض والفاعل مستتر تقديره هو، والجملة صلة الموصول.
{عَلَى اللَّهِ}: متعلق بـ (افترى).
{كَذِبًا}: مفعول به لـ (افترى) منصوب، أو مفعول مطلق.
{لِّيُضِلَّ}: اللام لام التعليل أو العاقبة، يضل مضارع منصوب بأن مضمرة والفاعل مستتر.
{النَّاسَ}: مفعول به منصوب.
{بِغَيْرِ عِلْمٍ}: متعلق بمحذوف حال من الفاعل (أي جائراً غير عالم).
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية والإلزام التاريخي القاطع: بعد أن ألزمهم في الآية السابقة بالحجة العقلية المحضة عبر السبر والتقسيم في الضأن والمعز، أتم هنا تعداد أصناف الأنعام بالإبل والبقر؛ ثم انتقل من البرهان العقلي إلى "البرهان النقلي والشهودي التاريخي"؛ فقال لهم: إذا عجزتم عن إثبات التحريم بالعقل، فهل عندكم سند نقلي مباشر؟! هل حضر آباؤكم وشهدتم الله وهو يوصيكم بهذا التحريم؟! فلما كان الجواب القطعي بالنفي؛ استقر في الأذهان أن فعلهم ظلم وافتراء وضلال مبين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حصر مصادر التشريع بين العقل الصريح والنقل الصحيح:
تؤصل الآية لمنهج إبستيمولوجي محكم: الأحكام الشرعية التكليفية (خصوصاً في التحليل والتحريم) لا تثبت إلا بأحد طريقين:
دلالة عقلية برهانية صحيحة مستندة إلى أصل قطعي: وقد أثبتت الآيات السابقة امتناع ذلك بالسبر والتقسيم.
نقل وتوقيف شرعي سماوي ومشافهة رسول أو شهود وصية: وقد نفت الآية وجود أي سند نقلي أو تاريخي لذلك {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ}.
فإذا انتفى العقل وانتفى النقل، بطل المدعى بالضرورة، ولم يبقَ إلا الهوى والافتراء والظلم {لِّيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ}.