أخرج الإمام الطبري في "جامع البيان" (12/ 33)جامع البيانالطبري١٢/٣٣ بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ}: "ظاهره: علانيته، وباطنه: سره؛ وكان أهل الجاهلية يستقبحون الزنا في العلانية ويستحلونه في السر، فأنزل الله النهي عن الإثم في السر والعلانية معاً".
وروى الطبري عن مجاهد والسدي وقتادة: "ظاهر الإثم ما أقدمت عليه الجوارح والأبدان من المعاصي والذنوب، وباطن الإثم ما أضمرته القلوب من الشرك والكبر والحسد والرياء والنفاق والغل للمؤمنين".
قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (3/ 328)مصدر غير محدد٣/٣٢٨: "يقول تعالى آمراً عباده بترك الإثم كله، ما كان منه ظاهراً مشاهداً وما كان منه باطناً مكتوماً؛ فإن الله تعالى مطلع على السرائر كما هو مطلع على الظواهر، كقوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ}... ثم توعد المكتسبين للآثام فقال: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ} أي: سيجازيهم الله على ما عملوا إن خيراً فخير وإن شراً فشر".
قال الفضيل بن عياض: "ترك ظاهر الإثم من الورع الظاهر، وترك باطن الإثم من التقوى الخالصة في سويداء القلب".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
(ذَرُوا): فعل أمر من الوَذْر، وهو الترك والإقلاع التام والتخلي عن الشيء.
(الْإِثْمِ): الذنب، وكل فعل أو قول أو نية قبيحة تبطئ بالعبد عن الخير وتورثه العقاب واللوم.
(يَكْسِبُونَ): الكَسْب هو تحصيل الشيء بالسعي والمباشرة؛ وكسب الإثم تعاطيه وتلبس النفس به رغبة فيه.
الإعراب والتركيب:
{وَذَرُوا}: الواو استئنافية للتفريع التشريعي، (ذروا) فعل أمر مبني على حذف النون، والواو ضمير متصل فاعل.
{ظَاهِرَ}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
{إِنَّ الَّذِينَ}: إنّ حرف توكيد ونصب، الذين اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها.
{يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، والإثم مفعول به، والجملة صلة الموصول.
{سَيُجْزَوْنَ}: السين للتنفيس والتحقيق، يجزون فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بثبوت النون والواو نائب فاعل، والجملة في محل رفع خبر (إنّ).
{بِمَا}: الباء سببية أو للبدل، (ما) اسم موصول في محل جر بالباء، أو مصدرية.
{كَانُوا يَقْتَرِفُونَ}: كان واسمها، وجملة يقترفون خبرها، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية وتناسبها التزكوي العميق: بعد أن حسمت الآيات السابقة أمر الأطعمة والذبائح المادية ونهت عن اتباع الجاهلية فيها، وسعت الآية هنا قاعدة التحريم لتشمل الحياة الإنسانية كلها في ظاهرها وباطنها؛ مبينة أن دين الله ليس مجرد طقوس وشكليات ظاهرية تتعلق بالمأكل، بل هو طهارة عامة مستغرقة تطهر البدن والجوارح من الفواحش الظاهرة، وتطهر القلوب والأفئدة من أمراض الرياء والكبر والغل والشك؛ ليكون المسلم نقياً في خلوته وجلوته.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تأصيل فقه القلوب وخطورة كبائر الباطن:
يظن كثير من الناس أن الذنوب مقتصرة على أفعال الجوارح (كالسرقة والزنا والقتل)، وتؤكد الآية أن "إثم الباطن" (كالكبر والعجب والحسد والرياء وسوء الظن بالله والنفاق) أشد خطراً وأعظم فتكاً بإيمان العبد من كثير من ذنوب الجوارح؛ لأن إثم الباطن يُحبط العمل ويفسد القلب، والقلب هو موضع نظر الرب سبحانه كما في الحديث: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» (رواه مسلم).
الطباق التام البديع: بين (ظَاهِرَ) و(بَاطِنَهُ)؛ لاستيعاب جميع أصناف الذنوب والمعاصي والبدع دون استثناء.
التأكيد بـ (إنّ) والسين المقربة للجزاء: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ}؛ لتقرير عدالة الجزاء وأنه واقع لا محالة.
إيثار لفظ (يَكْسِبُونَ) ثم (يَقْتَرِفُونَ): للدلالة على أن الإثم ليس مجرد هفوة طارئة، بل سعي مكتسب وتحمل للمسؤولية الجنائية والأخلاقية بتمام الإرادة.
اللطائف الإشارية والتدبرية:
الصدق مع الله يتجلى في الخلوات؛ فمن راقب الله في سريرته كفاه الله علانيته، ومن استهان بنظر الله في خلوته فقد بارز الجبار بالعصيان.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
المراقبة الذاتية وتطهير السرائر:
محاسبة النفس الدائمة على خواطر القلوب ونياتها؛ فالطاعة الظاهرة لا تنفع مع فساد السريرة، والتقوى الحقيقية هي التي تملأ القلب خشية ووجلاً.
إصلاح السلوك في المجتمع:
القضاء على النفاق الاجتماعي والازدواجية في المعايير؛ حيث يظهر الإنسان الصلاح أمام الناس ويخالفه في سره؛ فالإسلام يبني شخصية متوازنة متطابقة الظاهر والباطن.