هذه هي الوصايا الخمس المتممة للوصايا العشر:
6. حفظ مال اليتيم: أخرج الطبري في "جامع البيان" (12/ 180)جامع البيانالطبري١٢/١٨٠ عن ابن عباس ومجاهد في قوله: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}: "أي بالتجارة وتثميره وحفظ أصوله دون أن تأكلوا منه شيئاً، إلا ما يحتاجه الولي الفقير بالمعروف دون سرف، حتى يبلغ أشده أي الاحتلام وإيناس الرشد وحسن التصرف".
7. إيفاء الكيل والميزان بالعدل: أمر بإقامة العدل في المعاملات المالية والتجارية ونبذ التطفيف والغش، ثم عقب بنفي الحرج {لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}؛ فمن اجتهد في إيفاء الكيل فسقطت حبة أو زادت ذرة دون قصد فهو معفو عنه.
8. العدل في القول والشهادة والقضاء: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى}؛ لا تحابوا قريباً ولا تجوروا على عدو.
9. الوفاء بعهد الله: {وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا} وهو ما عهده الله إلى عباده من الأوامر والنواهي والنذور والمواثيق.
قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (3/ 359)مصدر غير محدد٣/٣٥٩: "يأمر تعالى بالعدل في الأفعال والأقوال، والقيام على أموال الضعفاء واليتامى بالرعاية لا بالاستغلال، وإقامة القسطاس المستقيم... {ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} أي: تتعظون وتتذكرون ما عهد الله به إليكم".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
(أَشُدَّهُ): الأَشُدّ بلوغ القوة وكمال العقل والرشد وتكامل البنية الجسدية؛ وهو مفرد جاء على صيغة الجمع كأنعُم، أو جمع لا واحد له من لفظه.
(بِالْقِسْطِ): بالعدل والسوية من غير زيادة ولا نقصان.
(وُسْعَهَا): الوُسْع الطاقة والقدرة والجهد الممكن دون مشقة فادحة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية وبناء المنظومة الأخلاقية والقانونية: بعد أن أسست الآية السابقة حق الوجود والحياة بحفظ النفس وبر الوالدين، انتقلت هذه الآية لتأسيس "منظومة العدالة الاقتصادية والقضائية والاجتماعية"؛ بحفظ أموال أضعف فئات المجتمع (اليتامى)، وضبط موازين التجارة والأسواق، وإلزام القضاء والشهادة بالعدالة المطلقة فوق العصبيات والقرابات، وإلزام الضمير بالوفاء بعهد الله؛ لتقوم حضارة إيمانية عادلة متماسكة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
رفع الحرج في المعاملات المالية:
قوله تعالى: {لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}: اعتراض تشريعي رحيم في غاية الأهمية؛ دفعاً لما قد يجده التاجر أو المشتري من الحرج والمشقة في ضبط ذرات الميزان ونقاط الكيل ضبطاً رياضياً مطلقاً؛ فبينت الآية أن المطلوب هو بذل الوسع وتحري العدل، وما تعذر الاحتراز منه فهو معفو عنه.
التجرد المطلق من العصبية القبلية والعائلية:
قوله {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى}: ضربة قاصمة للعصبية الجاهلية التي كانت تقاتل على مبدأ (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً) بمفهومهم القبلي الفاسد؛ فالإسلام يوجب الصدع بالحق وشهادة العدل ولو كان الحكم على النفس أو الوالدين أو أقرب الأقربين.
صيغة التفضيل في {إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}: لم يقل (بالتي هي حسنة) بل {أَحْسَنُ}؛ للمبالغة في اختيار أنفع الطرائق لليتيم وأكثرها أماناً وربحاً وتنمية لماله.
تقديم الجار والمجرور في {وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا}: لإفادة الحصر والتعظيم لشأن عهد الله ومواثيقه.
الختام بـ {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}: لأن حقوق المعاملات والشهادات والعهود قد تغفل عنها النفوس بتأثير الطمع والقرابة، فناسبها التذكير واليقظة.
اللطائف الإشارية والتدبرية:
العدل في اللسان ميزان الإيمان؛ فمن استقام لسانه بالعدل في الغضب والرضا ومع الصديق والعدو فقد كملت مروءته واستقام دينه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الأمانة ورعاية الضعفاء:
تعظيم حرمة أموال اليتامى واستثمارها بنزاهة وإخلاص دون طمع في مال الضعيف.
النزاهة التجارية والأخلاقية:
إتقان الكيل والوزن وتحريم الغش والاحتكار والتلاعب بالأسعار والمواصفات؛ فالأمانة التجارية مظهر من مظاهر التقوى.