أخرج الإمام الطبري في "جامع البيان" (12/ 17)جامع البيانالطبري١٢/١٧ وابن أبي حاتم أن مشركي قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد، اجعل بيننا وبينك حكماً نقبل به؛ إما كاهناً من كهان العرب أو رجلاً من أحبار اليهود أو النصارى يفصل بيننا وبينك فيما تدعيه! فأنزل الله تعالى راداً عليهم وناهياً لنبيه عن التحاكم إلى غير ربه: {أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا}.
توجيهات أئمة السلف والتفسير:
قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (3/ 324)مصدر غير محدد٣/٣٢٤: "أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين بالله: أطلب حكماً غير الله يعدل بيني وبينكم؟! وهو سبحانه الحكيم العدل الذي أنزل هذا الكتاب مبيناً موضحاً مفصلاً فيه حكم كل شيء، {وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ} أي: علماء بني إسرائيل المنصفين، {يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ} بما عندهم من البشارات في التوراة والإنجيل، {فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} أي: الشاكين".
قال القرطبي في "تفسيره" (7/ 69)مصدر غير محدد٧/٦٩: "الحَكَم أبلغ من الحاكم؛ لأن الحاكم قد يقضي بغير الحق والعدل، أما الحَكَم فهو المبرأ من الجور والخطأ، ولا يستحق هذا الوصف على الحقيقة إلا الله تعالى".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
(حَكَمًا): فَعَل بفتحتين، وهو صفة مشبهة تدل على الثبوت والعدالة التامة في القضاء؛ والفرق بين الحاكم والحكم أن الحاكم اسم فاعل قد يعتريه الجور، والحَكَم هو الذي يُرضى بحكمه لرسوخه في العدل.
(مُفَصَّلًا): من التَّفْصِيل، وهو تمييز الأشياء وتبيينها وفرز الحق من الباطل والحلال من الحرام في غاية الإيضاح والبيان.
(الْمُمْتَرِينَ): اسم فاعل من الامْتِرَاء، وهو الشك المتردد المقترن بالجدال والمماراة.
الإعراب والتركيب:
{أَفَغَيْرَ}: الهمزة للاستفهام الإنكاري التعجيبي، والفاء عاطفة على مقدر (أأترك حجة الله وأبتغي غيره؟)، (غير) مفعول به مقدم لـ (أبتغي) منصوب وعلامة نصبه الفتحة.
{اللَّهِ}: لفظ الجلالة مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة.
{أَبْتَغِي}: فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الياء، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره أنا.
{حَكَمًا}: تمييز منصوب، أو حال منصوبة من (غير الله).
{وَهُوَ الَّذِي}: الواو حالية، (هو) مبتدأ، (الذي) اسم موصول خبر.
{أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا}: أنزل فعل ماض والفاعل مستتر، إليكم متعلق به، الكتاب مفعول به، ومفصلاً حال منصوبة من الكتاب.
{وَالَّذِينَ}: الواو استئنافية، (الذين) اسم موصول مبتدأ.
{آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ}: فعل وفاعل ومفعولان، والجملة صلة الموصول.
{يَعْلَمُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ (الذين).
{أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ}: أن واسمها وخبرها سدت مسد مفعولي يعلمون، من ربك متعلق بـ (منزل)، وبالحق جار ومجرور في محل نصب حال.
{فَلَا تَكُونَنَّ}: الفاء رابطة أو فصيحة، (لا) ناهية جازمة، (تكونن) فعل مضارع ناقص مبني على الفتح في محل جزم لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، واسمه ضمير مستتر تقديره أنت.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية وتناسبها التوحيدي: بعد أن كشف الله في الآيات السابقة مكر شياطين الإنس والجن وتزيينهم للأقوال وتأثير ذلك على النفوس الجاهلة، جاء التوجيه الحاسم إلى المرجعية العليا المطلقة التي يجب التحاكم إليها: إنه الله وحده وكتابه المفصل؛ فلا تحاكم إلى كهانة، ولا إلى أهواء رجال، ولا إلى مجادلات باطلة، بل الحكم لله العلي الكبير الذي فصل كل شيء في هذا التنزيل الحكيم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تقرير المرجعية الإلهية الحصرية وتفنيد التحاكم إلى الطاغوت:
الآية أصل قطعي في وجوب تحكيم شرع الله ونبذ التحاكم إلى غيره؛ فتقديم مفعول (أبتغي) في قوله {أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا} يفيد الحصر والاختصاص؛ أي: لا أبتغي حكماً إلا الله وحده. والتحاكم إلى غير شريعته تحاكم إلى الجهل والهوى وتناقض صريح مع مقتضى الإيمان بأن الله هو الخالق المدبر.
توجيه النهي للنبي صلى الله عليه وسلم في {فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ}:
النبي صلى الله عليه وسلم لم يشك قط ولم يمترِ في صدق رسالته ونزول قرآنه، والنهي موجه إليه لفظاً والمراد به أمته والسامعون حقيقة، كقولك لمن تعلم رسوخه في الصدق: (إياك أن تكذب!) لتثبيته وقطع أطماع الخصوم، وتنبيه الأمة إلى خطورة تسرب أدنى شك إلى القلوب بعد هذا البيان المفصل وشهادة أهل الكتاب المنصفين.
الاستفهام الإنكاري التعجيبي: {أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا} يحمل في طياته الاستحالة العقلية والشرعية؛ إذ كيف يطلب العاقل حكماً قاصراً مخلوقاً ويدع حكم الخالق العليم بكل شيء؟!
الحالية في قوله {مُفَصَّلًا}: بيان لصفة الإعجاز والكمال في القرآن؛ فهو ليس كتاباً مجملاً مبهماً، بل هو كتاب مفصل للحقائق والمناهج لا يعوزه استكمال من غيره.
التوكيد بنون التوكيد الثقيلة: في {فَلَا تَكُونَنَّ} لقطع كل دابر للشبهات وتشييد حصن اليقين.
اللطائف الإشارية والتدبرية:
الكتاب مفصل تفصيلاً يغني الأرواح والعقول؛ فمن التمس الهدى والحكم خارج إطار التنزيل فقد أضاع البصيرة وابتغى غير الله حكماً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
استعلاء الداعية بمرجعيته الربانية؛ فلا يقبل الدخول في أطر تحكيمية جاهلية أو قوانين وضعية تلغي سيادة الشرع، بل يُعلن بكل وضوح أن التحاكم إنما هو لكتاب الله وسنة نبيه.
اليقين الراسخ:
تربية المسلم على الثبات أمام الشبهات الفكرية؛ فالمؤمن مستند إلى كتاب مفصل وبراهين يقينية وحقائق تاريخية، فلا تزعزعه تشكيكات المغرضين.