إثبات صفة الفوقية والقهر المطلق لله في الأثر والسنة:
أخرج البيهقي في "الأسماء والصفات" (ص ٤١٨)مصدر غير محدد٤١٨ واللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة" وابن جرير الطبري (ج ١١، ص ٢٩٧)مصدر غير محدد١١/٢٩٧ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ}: «أي الغالب العالي على خلقه، الذي خضعت له الرقاب وذلت له الجبابرة وعنت له الوجوه، ودان له كل شيء، فوق كل شيء بذاته وقهره وعظمته».
وروى الطبري وابن كثير (ج ٣، ص ٢٥٠)مصدر غير محدد٣/٢٥٠ عن السدي: «القاهر: المانع الغالب الذي لا يُغلب، ولا يفوته هارب، وهو فوق عباده بقهرهم وتدبير أمورهم؛ ثم أتبع ذلك بقوله: {وَهُوَ الْحَكِيمُ} في تدبيره وقضائه، {الْخَبِيرُ} بمواضع الخير والشر ومصالح خلقه فلا يقهرهم بظلم ولا عنت بل بحكمة وعدل».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
الْقَاهِرُ
الغالب الذي يذل له كل مستكبر، والقهر هو الغلبة مع إذلال المقهور واستعلائه عليه بالقوة التامة.
فَوْقَ
تفيد العلو المطلق بجميع معانيه اللائقة بجلاله: علو القهر والغلبة، وعلو الشأن والقدر، وعلو الذات فوق خلقه مستوياً على عرشه بائناً من خلقه.
عِبَادِهِ
جمع عبد، والمراد جميع الخلائق من مكلفين وغيرهم، فهم مربوبون مقهورون لمشيئته التكوينية.
الْحَكِيمُ
الذي يضع الأمور في مواضعها المتقنة فلا يعتريه خلل.
الْخَبِيرُ
العالم بدقائق الأمور وبواطنها وظواهرها.
وَهُوَ
الواو استئنافية، هو ضمير منفصل مبتدأ.
الْقَاهِرُ
خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
فَوْقَ
ظرف مكان متعلق بالقاهر أو بمحذوف حال، وهو مضاف.
عِبَادِهِ
مضاف إليه مجرور والهاء مضاف إليه.
وَهُوَ
الواو عاطفة، هو مبتدأ.
الْحَكِيمُ
خبر أول مرفوع بالضمة.
الْخَبِيرُ
خبر ثانٍ مرفوع بالضمة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
اقتران القهر بالحكمة ونفي الظلم عن القدرة المطلقة:
بعد أن قرر في الآية السابقة قدرته التامة وتفرده بالنفع والضر: {وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}، قرر هنا قهره المطلق واستعلاءه على جميع العباد؛ ولما كان القهر في حق المخلوق قد يقترن بالبطش والظلم والجهل، عطف مباشرة بنعتي الجلال والكمال: {وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ}؛ ليعلم العباد أن قهره سبحانه صادر عن كمال الحكمة والعلم بعدل لا يشوبه جور.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
تقرير عقيدة أهل السنة في إثبات الفوقية لله والرد على المؤولة:
أثبت أئمة أهل السنة والجماعة (ابن تيمية في "درء تعارض العقل والنقل" ج ٦، ص ٢٣٥، وابن القيم في "اجتماع الجيوش الإسلامية" ص ٨٥) أن الفوقية في الآية {فَوْقَ عِبَادِهِ} ثابتة لله على حقيقتها اللائقة به سبحانه:
علو القهر والغلبة: فهو الغالب لكل شيء الذي لا يخرج عن قبضته أحد.
علو الذات والاستواء على العرش: فهو سبحانه فوق سماواته مستوٍ على عرشه بائن من خلقه بلا تكييف ولا تمثيل ولا تعطيل.
والرد على من أول الفوقية هنا بالقهر المجرد: أن قوله {الْقَاهِرُ} دل بذاته على علو القهر والغلبة، فلو كانت {فَوْقَ} بمعنى القهر لكان تكراراً محضاً يخلو من الفائدة التأسيسية، بل جمعت الآية بين الوصفين: إثبات القهر التام وإثبات الفوقية العلية بذاته وقدرته سبحانه.