تجسد الأعمال السيئة أوزاراً يحملونها ومفاجأة الساعة في الأثر:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (ج ١١، ص ٣٣٨)جامع البيانالطبري١١/٣٣٨ وابن أبي حاتم والحاكم في "المستدرك" (ج ٢، ص ٣١٦ وصححه) عن عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وأبي هريرة والسدي في قوله تعالى: {وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ}: «إن الكافر إذا خرج من قبره يستقبله عمله السيئ في أقبح صورة وأنتن ريح، فيقول له الكافر: ما أنت؟ فو الله ما أعرفك إلا قبيح الوجه منتن الريح! فيقول: أنا عملك الخبيث، طالما ركبتني في الدنيا بالمعاصي والشهوات، فأنا اليوم أركبك وأحملك! فيركب على عنقه وظهره ويسوقه إلى النار».
وروى الطبري عن قتادة: «{حَتَّىٰ إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً}: أي فجأة لم يشعروا بها، قالوا نادمين متلهفين: يا حسرتنا على ما فرطنا وضيعنا في جنب الله وطاعته في دار الدنيا».
وذكر ابن كثير (ج ٣، ص ٢٦٠)مصدر غير محدد٣/٢٦٠: «أخبر تعالى عن تمام خسران من كذب بلقائه، وكيف تفاجئهم القيامة فيتحسرون على ما فاتهم، وتتجسد خطاياهم أحمالاً ثقيلة قبيحة يحملونها على ظهورهم تسوقهم إلى الجحيم».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
قَدْ خَسِرَ
قد حرف تحقيق يفيد ثبوت الخسارة وتأكيدها ووقوعها لا محالة.
بَغْتَةً
فجأة على حين غفلة من غير إشعار ولا تقدم أمارة تتيح لهم التدارك.
يَا حَسْرَتَنَا
الحسرة شدة الندم والتلهف على فوات أمر محبوب لا يمكن استدراكه، حتى كأن الحزين قد حسر وتعب وانقطع.
فَرَّطْنَا
التفريط هو التضييع والتقصير والإهمال في الواجبات.
أَوْزَارَهُمْ
جمع وِزْر، وهو الحمل الثقيل؛ وأطلقت على الآثام والخطايا لثقل عاقبتها على صاحبها.
يَزِرُونَ
يحملونه من الآثام والأثقال المهلكة.
قَدْ
حرف تحقيق.
خَسِرَ
ماضٍ مبني على الفتح.
الَّذِينَ
اسم موصول فاعل في محل رفع.
كَذَّبُوا
ماضٍ وفاعله، وجملة كذبوا صلة الموصول.
بِلِقَاءِ
جار ومجرور متعلق بكذبوا وهو مضاف.
اللَّهِ
لفظ الجلالة مضاف إليه مجرور.
حَتَّىٰ
حرف غاية وابتداء.
إِذَا
ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه.
جَاءَتْهُمُ
ماضٍ والتاء للتأنيث والهاء مفعول به والميم للجمع.
السَّاعَةُ
فاعل جاءتهم مرفوع بالضمة، والجملة في محل جر بالإضافة لـ إذا.
بَغْتَةً
مصدر منصوب في محل نصب حال (أو مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره تبغتهم بغتة).
قَالُوا
ماضٍ والواو فاعل وهو جواب إذا.
يَا
حرف نداء للمجاز واستحضار الحسرة كأنها شخص ينادى.
حَسْرَتَنَا
منادى مضاف منصوب بالفتحة ونا ضمير مضاف إليه.
عَلَىٰ مَا
على حرف جر، ما مصدرية أو موصولة في محل جر بعلى والجار والمجرور متعلق بحسرتنا.
فَرَّطْنَا
ماضٍ ونا فاعل والجملة صلة ما.
فِيهَا
متعلق بفرطنا، والضمير يعود على الحياة الدنيا، أو على الصفقة الخاسرة، أو على الطاعة والفرائض.
وَهُمْ
الواو حالية، هم ضمير مبتدأ.
يَحْمِلُونَ
مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل.
أَوْزَارَهُمْ
مفعول به منصوب والهاء مضاف إليه، وجملة يحملون في محل رفع خبر هم، وجملة المبتدأ والخبر في محل نصب حال.
عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ
متعلق بيحملون.
أَلَا
أداة استفتاح وتنبيه.
سَاءَ
فعل ماضٍ جامد لإنشاء الذم يعمل عمل بئس.
مَا
اسم موصول مبني في محل رفع فاعل لساء (أو نكرة تامة تمييز).
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ذروة التحسير والندم بعد انكشاف الغطاء ومفاجأة الساعة:
سياق مروع يصور مآل الذين استبعدوا البعث واستهزأوا به؛ فبعد أن بين إقرارهم العاجز في الموقف، بين هنا البداية الفجائية لتلك الفاجعة؛ فالساعة تأتيهم بغتة وهم في غفلتهم يعمهون، فلا يملكون إلا إطلاق صرخات الحسرة على ما ضيعوا في دار المهلة، وتتجسد خطاياهم أثقالاً حقيقية تجثم على ظهورهم وتذل أعناقهم أمام الأشهاد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
تحقيق مسألة حمل الأوزار على الظهور بين الحقيقة والتمثيل:
اختلف أهل العلم في قوله تعالى: {وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ}:
مذهب السلف والجمهور (وهو الصحيح المعتمد في عقيدة أهل السنة كما حققه ابن كثير والقرطبي): أن هذا الحمل حقيقي؛ حيث يجسد الله المعاني والأعمال في الآخرة أجراماً وأشكالاً، فيُجعل عمل الكافر قبيحاً منتناً يركب ظهره ويلازمه خِزياً وعذاباً، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة من تجسيد سورتي البقرة وآل عمران كغمامتين، وتجسيد الشجاع الأقرع لمانع الزكاة يطوق عنقه.
والوجه البياني التبعي: أنه تمثيل لثقل جنايتهم وشدة وبالها عليهم؛ وكلا المعنيين متآزران في إبراز هول الجريمة وقبح المآل.
تنزيل الحسرة منزلة العاقل في {يَا حَسْرَتَنَا}: نداء استغاثة واستحضار بديع؛ نادوا الحسرة كأنها كائن حاضر يقال له: احضري فهذا أوانك ومحلك! للدلالة على تملك الندم التام لأرواحهم وانقطاع كل أمل.
الافتتاح التنبيهي بـ {أَلَا} وإنشاء الذم بـ {سَاءَ}: قمة في البشاعة والتحقير؛ {أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ} صرخة إلهية تقرع القلوب وتبين قبح هذا الحمل وخسته.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
اغتنام الأنفاس واللحظات في طاعة الله قبل أن تفاجئ الساعة الإنسان بموته أو قيامته فيتحسر حين لا تنفع الحسرة.
استحضار ثقل الذنوب والمعاصي، وأن كل معصية يقترفها العبد في الدنيا هي حمل ثقيل يثقل كاهله في عرصات القيامة إن لم يتداركها بتوبة نصوح.