أخرج الإمام البخاري في "صحيحه" (كتاب مناقب الأنصار، باب قسامة الجاهلية، رقم 3834)مصدر غير محددحديث رقم ٣٨٣٤ بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "إذا سرك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين ومائة في سورة الأنعام: {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ}".
قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (3/ 345)مصدر غير محدد٣/٣٤٥: "يقول تعالى خاسراً ومقبحاً تصرف هؤلاء المشركين في الدنيا والآخرة: {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ}؛ أما في الدنيا فخسروا أولادهم الذين وأدوهم وقتلوهم وحرموا نفعهم وبركتهم، وخسروا أموالهم التي حرموها على أنفسهم من البحائر والسوائب، وأما في الآخرة فخسروا أنفسهم بمصيرهم إلى عذاب النار المؤبد لخروجهم عن طاعة الله وافترائهم عليه، {قَدْ ضَلُّوا} عن الصراط المستقيم، {وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} في شيء من تصرفاتهم ومذاهبهم".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
(خَسِرَ): الخُسْرَان هو ذهاب رأس المال ونقصان الحظ والوقوع في الغبن والهلاك.
(سَفَهًا): السَّفَهُ خفة العقل ورداءة التدبير ونقيض الحلم والرشد؛ وسفه الرجل إذا جهل قدر نفسه ووضع الأشياء في غير موضعها.
الإعراب والتركيب:
{قَدْ}: حرف تحقيق وتوكيد مبني على السكون.
{خَسِرَ}: فعل ماض مبني على الفتح.
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل لـ (خسر).
{قَتَلُوا}: فعل ماض مبني على الضم والواو فاعل، والجملة صلة الموصول.
{أَوْلَادَهُمْ}: مفعول به منصوب، وهم مضاف إليه.
{سَفَهًا}: مفعول لأجله منصوب (أي لأجل السفه والخفة)، أو مصدر في موضع الحال (أي سفهاء جاهلين).
{بِغَيْرِ عِلْمٍ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال ثانية مؤكدة.
{وَحَرَّمُوا}: الواو عاطفة، فعل وفاعل معطوف على قتلوا.
{مَا}: اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به لـ (حرموا).
{رَزَقَهُمُ اللَّهُ}: فعل ومفعول به وفاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ}: مفعول لأجله أو مفعول مطلق، وعلى الله متعلق به.
{قَدْ ضَلُّوا}: قد حرف تحقيق، ضلوا فعل وفاعل والجملة مستأنفة مؤكدة لخسارتهم.
{وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ}: الواو عاطفة، ما نافية، كانوا فعل ماض ناقص والواو اسمها، ومهتدين خبرها منصوب بالياء.
القراءات المتواترة: قرأ نافع وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي: {قَتَلُوا} مخففاً من القتل. وقرأ ابن عامر وابن كثير في رواية: {قَتَّلُوا} بالتشديد للمبالغة والتكثير في القتل والوأد.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية وتلخيص الخسارة العامة التامة: هذه الآية تمثل "الحكم القضائي والأخلاقي العام" على كل تلك الممارسات الجاهلية المتقدمة (من الآية 136 إلى 139)؛ فجمعت جناياتهم في جريمتين عظيمتين: (قتل الأولاد ظلماً وسفهاً، وتحريم الأرزاق افتراءً على الله)؛ وأصدرت عليهم حكم الخسران المحقق في العاجل والآجل، ونفت عنهم أي حظ من الهدى.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):