الحفظة المعقبون وملائكة الموت وتفاصيل التوفي في الأثر:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (ج ١١، ص ٤٣٨)جامع البيانالطبري١١/٤٣٨ وابن أبي حاتم والحاكم عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً}: «هم الملائكة الكرام الكاتبون، يحفظون على العبد عمله، ويكتبون أقواله وأفعاله من خير وشر، ويحفظونه بأمر الله من الآفات حتى يجيء قدره».
وفي قوله: {حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ}: أخرج الطبري وابن كثير (ج ٣، ص ٢٨٦)مصدر غير محدد٣/٢٨٦ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة: «رسلنا: هم أعوان ملك الموت من الملائكة؛ يقبضون الروح من الجسد حتى يبلغوا بها الحلقوم، ثم يتناولها ملك الموت، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في أكفان وحنوط الجنة إن كان مؤمناً، أو في أكفان وحنوط النار إن كان كافراً؛ {وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ} أي لا يضيعون ما أُمروا به ولا يقصرون فيه طرفة عين».
وروى الإمام أحمد (ج ٤، ص ٢٨٧)مصدر غير محدد٤/٢٨٧ والحاكم وصححه عن البراء بن عازب رضي الله عنه في حديث طويل في خروج الروح وتوفي الملائكة لها.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات والدلالات:
{الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ}: العالي الغالب القاهر لكل مخلوق بقدرته وعظمته وذاته واستوائه.
{حَفَظَةً}: جمع حافظ، وهم الملائكة الموكلون بحفظ العبد وإحصاء أعماله.
{تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا}: قبضت روحه رسلنا من ملائكة الموت.
{لَا يُفَرِّطُونَ}: لا يقصرون ولا يغفلون ولا يتوانون عما كُلفوا به.
القراءات المتواترة في {تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا}:
قرأ حمزة: {تَوَفَّاهُ رُسُلُنَا} بإمالة فتحة الفاء تذكيراً بالفعل لأن الفاعل جمع تكسير مؤنث مجازي.
وقرأ الباقون: {تَوَفَّتْهُ} بالتاء على تأنيث الجماعة.
الإعراب والتركيب:
{وَهُوَ}: الواو عاطفة، هو ضمير منفصل مبتدأ.
{الْقَاهِرُ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
{فَوْقَ}: ظرف مكان متعلق بالقاهر أو بمحذوف حال وهو مضاف.
{عَلَيْكُمْ}: متعلق بيرسل والكاف مضاف إليه والميم للجمع.
{حَفَظَةً}: مفعول به ليرسل منصوب بالفتحة.
{حَتَّىٰ}: حرف غاية وابتداء.
{إِذَا}: ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه.
{جَاءَ}: ماضٍ مبني على الفتح.
{أَحَدَكُمُ}: مفعول به مقدم والكاف مضاف إليه والميم للجمع.
{الْمَوْتُ}: فاعل جاء مؤخر مرفوع بالضمة، والجملة في محل جر بإضافة إذا إليها.
{تَوَفَّتْهُ}: ماضٍ والتاء للتأنيث والهاء مفعول به.
{رُسُلُنَا}: فاعل توفته مرفوع بالضمة ونا مضاف إليه، وجملة توفته رسلنا جواب إذا لا محل لها.
{وَهُمْ}: الواو حالية، هم ضمير منفصل مبتدأ.
{لَا}: نافية.
{يُفَرِّطُونَ}: مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل والجملة خبر هم، وجملة المبتدأ والخبر في محل نصب حال من رسلنا.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إحكام السيطرة والرقابة الإلهية من المهد إلى اللحد:
تسلسل ملكوتي مهيب؛ فبعد أن بين قهره في النوم واليقظة، قرر هنا قهره المطلق في الموت والحياة؛ فالإنسان محاط برعاية ورقابة ملائكية دقيقة في كل لحظات حياته؛ الحفظة يحصون عليه أنفاسه ويدفعون عنه المكاره، حتى إذا حانت اللحظة المقدرة وجاء الموت، تحول المشهد إلى وفود ملائكية مأمورة لا تخطئ الأجل ولا تقصر في قبض الروح؛ لتكتمل حلقات القهر الإلهي المحيط بالإنسان في مساره كله.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
دفع التعارض بين إضافة التوفي إلى الله وإلى ملك الموت وإلى الرسل:
كيف يوفق بين قوله تعالى هنا: {تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا}، وقوله في السجدة: {قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ}، وقوله في الزمر: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا}؟!
والتحقيق الجمعي الإحكامي الذي أطبقت عليه كلمة السلف والأئمة (ابن كثير والقرطبي والشنقيطي):
إضافة التوفي إلى الله تعالى: إضافة خلق وتقدير وأمر؛ فهو الآمر الموجد القابض بمشيئته وقدرته حقيقة ابتداءً.
إضافته إلى ملك الموت: إضافة مباشرة ورئاسة؛ فهو الموكل بنزع الروح وقبضها وتولي أمرها بأمر ربه.
إضافته إلى الرسل: إضافة معونة وتجهيز؛ وهم أعوان ملك الموت من ملائكة الرحمة أو العذاب، يعالجونه وينزعون الروح من أطراف الجسد حتى تدنو من الحلقوم، ثم يلفونها في الأكفان ويصعدون بها؛ فلا تعارض البتة بل هو كمال الإتقان والنظام الملائكي الإلهي.
إعادة وصف {الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ}: لتأكيد أن الموت أعظم مظاهر القهر التي تنكسر عندها كبرياء الجبابرة، فلا يملك ملك ولا طاغية دفع رسل الموت إذا جاؤوا.
التذييل بـ {وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ}: نفي للتقصير والخطأ؛ لإشعار المحتضر والمكلف بأن ملائكة الله لا تحابي أحداً ولا تتأخر ثانية عن موعد الأجل المضروب.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحياء من الملائكة الكرام الكاتبين؛ فالعبد مستحضر أن كل كلمة ونظرة مسجلة في كتاب الحفظة.
الاستعداد للحظة هجوم الموت وقدوم الرسل؛ بالحرص على أن تكون الخاتمة على التوحيد والعمل الصالح لتبشرك الملائكة بروح وريحان ورب راضٍ غير غضبان.