أخرج الإمام الطبري في "جامع البيان" (12/ 86)جامع البيانالطبري١٢/٨٦ بسنده عن قتادة في قوله تعالى: {إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ}: "يقول: إن الذي يوعدكم الله به يا معشر المشركين والمكذبين من قيام الساعة، والبعث والنشور، والحساب، وعذاب النار وعقوبة الدنيا، لآتٍ وواقع لا محالة، {وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ} أي: وما أنتم بفائتين الله هرباً، ولا بمعجزيه أن ينالكم بما توعدكم به من العقاب".
قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (3/ 341)مصدر غير محدد٣/٣٤١: "يقول تعالى مخبراً لعباده أن ما وعدهم به من أمر المعاد والقيامة والجزاء والعقاب واقع لا محالة؛ فكل ما هو آتٍ قريب، وما قدر الله وقوعه فلا بد أن يكون، {وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ} أي: لستم بفائتين ربه ولا بمعجزين لقدرته، بل أنتم في قبضته وسلطانه وتحت قهره وتدبيره أينما كنتم".
قال القرطبي (7/ 95)مصدر غير محدد٧/٩٥: "أعجز فلان فلاناً إذا فاته وهرب منه بحيث لا يقدر عليه؛ والمعنى: ما أنتم بفائتين قدرة الله ولا ممتنعين من عذابه إن نزل بكم".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
(لَآتٍ): اسم فاعل من الإتيان؛ وأتى الشيء إذا حضر ووقع؛ وكل ما هو محتوم الوقوع فهو في حكم الآتي الحاضر.
(بِمُعْجِزِينَ): جمع معجز، من الإعجاز وهو جعل الغير عاجزاً أو الفوات والسبق والهرب بحيث لا يُدرك.
الإعراب والتركيب:
{إِنَّ}: حرف توكيد ونصب ينصب الاسم ويرفع الخبر.
{مَا}: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب اسم (إنّ).
{تُوعَدُونَ}: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بثبوت النون، والواو نائب فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب، والعائد محذوف (أي توعدونه).
{لَآتٍ}: اللام هي اللام المزحلقة للتوكيد، (آتٍ) خبر (إنّ) مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين مع التنوين (تنوين العوض).
{وَمَا}: الواو عاطفة، (ما) نافية تعمل عمل ليس أو مهملة.
{أَنتُم}: ضمير منفصل في محل رفع اسمها (أو مبتدأ).
{بِمُعْجِزِينَ}: الباء حرف جر زائد للتوكيد، (معجزين) خبر (ما) مجرور لفظاً منصوب محلاً وعلامة جره الياء لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية وحسمها القاطع: بعد أن قرر الله قدرته المطلقة وغناه ورحمته وسنة استبداله للأمم في الآية السابقة، حسم في هذه الآية كل تردد وشكوك يثيرها الكفار حول مصيرهم وحقيقة البعث والوعيد؛ فجاء التوكيد الإلهي كالسهم النافذ: إن كل ما توعدون به من الحساب والنكال واقع حتماً، ولن تجدوا من دونه ملجأ ولا مهرباً يعجز قدرته النافذة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حتمية البعث وقرب القيامة عقلاً وشرعاً:
تقرر الآية قاعدة زمنية عقلية: "كل ما هو آتٍ قريب"؛ فالمستقبل المحتوم واقع لا محالة، والموت يقطع كل أمل دنيوي وينقل الإنسان فوراً إلى عَرَصات الآخرة، فاستبعاد الكفار للقيامة وتكذيبهم بالوعيد ضرب من السفه والجهل؛ لأن استبعاد وقوع الشيء لا يمنع قدومه إن كان من وعد الصادق القادر.
إحاطة القدرة الإلهية واستحالة الفوات:
قوله {وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ} ينقض كل أوهام النجاة؛ فالإنسان في هذا الكون الفسيح أسير قبضة بارئه، لا يستطيع الخروج من أقطار السماوات والأرض، ولا الامتناع من قضاء الله إذا نزل، فالإعجاز منفي تماماً عن المخلوق ومثبت للخالق القهار.