هذه الآية متصلة بالآية السابقة اتصال العلة بمعلولها؛ فالمشركون أقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها واقترحوا إحياء الموتى ونزول الملائكة عياناً؛ فأخبر الله تعالى أن شأن هؤلاء المعاندين راسخ في الكفر، بحيث لو استجيبت كل مقترحاتهم الحسية بحذافيرها لما آمنوا.
أخرج الإمام الطبري في "جامع البيان" (12/ 3)جامع البيانالطبري١٢/٣ بسنده عن ابن عباس وعلي بن أبي طلحة في قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَّا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ}: "أخبر الله تعالى نبيه أنهم لا يؤمنون حتى يشاء الله لهم الإيمان، ولو رأوا كل آية؛ لأن الشقاوة سبقت لهم في الكتاب الأول".
قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (3/ 321)مصدر غير محدد٣/٣٢١: "يقول تعالى: ولو أننا أجبنا هؤلاء الذين حلفوا جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها، فأنزلنا إليهم الملائكة عياناً يشهدون بصدق الرسالة، وأحيينا لهم الموتى فكلموهم عياناً كما سألوا (أن أحيوا لنا قصي بن كلاب ليخبرنا بصدقك)، وحشرنا عليهم كل شيء من الدواب والأصناف والخلائق قُبُلاً؛ أي معاينة ومواجهة يشهدون بصدقك، ما كانوا ليصدقوا بما جئتهم به ولا ليتبعوك، إلا أن يشاء الله هدايتهم؛ فإن الهداية بيده سبحانه لا بمجرد رؤية الآيات، {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ} أي: يجهلون سنن الله في خلقه وحكمته وقدره ومشيئته".
قال القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" (7/ 65)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٧/٦٥: "هذه الآية نص صريح في الرد على المعتزلة والقدرية؛ لأنها تثبت أن الإيمان بمشيئة الله وحدها، فلو جمعت للإنسان كل الخوارق وأعظم الآيات ولم يشأ الله له الهداية لم ينتفع بشيء منها".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المعجم والاشتقاق:
(حَشَرْنَا): الحَشْر هو الجمع والسوق من كل جانب إلى موضع واحد.
(قُبُلًا): بضم القاف والباء أو بكسر القاف وفتح الباء؛ من المقابلة والمواجهة، أو جمع قَبيل بمعنى صنف ونوع وكفيل.
(يَجْهَلُونَ): من الجهل، وهو خلو النفس من العلم ومخالفة الحق وعدم إدراك سنن الله وقدره.
الإعراب والتركيب:
{وَلَوْ}: الواو عاطفة أو استئنافية، (لو) شرطية غير جازمة تفيد الامتناع للامتناع.
{أَنَّنَا}: (أنّ) حرف مشبه بالفعل ينصب الاسم ويرفع الخبر، و(نا) ضمير متصل في محل نصب اسمها، والمصدر المؤول من (أن واسمها وخبرها) في محل رفع فاعل لفعل محذوف تقديره (ثبت) عند سيبويه، أو مبتدأ لا خبر له عند الكوفيين.
{نَزَّلْنَا}: فعل ماض مبني على السكون، و(نا) فاعل، والجملة في محل رفع خبر (أنّ).
{إِلَيْهِمُ}: جار ومجرور متعلق بـ (نزلنا).
{الْمَلَائِكَةَ}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة.
{وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى}: الواو عاطفة، كلّم فعل ماض، والهاء مفعول به، والموتى فاعل مرفوع بالضمة المقدرة.
{وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ}: الواو عاطفة، حشرنا فعل وفاعل، (عليهم) متعلق بـ (حشرنا)، و(كل) مفعول به، و(شيء) مضاف إليه.
{قُبُلًا}: حال منصوبة من (كل شيء) أي مواجهة ومعاينة، أو مفعول مطلق نائب عن المصدر.
{مَّا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا}: جواب (لو)؛ (ما) نافية، كانوا فعل ماض ناقص والواو اسمها، واللام لام الجحود لتأكيد النفي، (يؤمنوا) مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام الجحود وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعل، والمصدر المؤول في محل جر باللام متعلق بمحذوف خبر كان، والتقدير: ما كانوا مريدين أو قاصدين للإيمان.
{إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ}: (إلا) أداة استثناء مفرغ أو حصر، والمصدر المؤول (أن يشاء الله) في محل نصب على الاستثناء المنقطع أو الحالية (أي إلا في حال مشيئة الله).
{وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ}: الواو للاستدراك، لكن حرف مشبه بالفعل ينصب الاسم، وهم اسمها، وجملة (يجهلون) في محل رفع خبرها.
القراءات المتواترة والتوجيه:
قرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي وخلف: {قُبُلًا} بضم القاف والباء؛ جمع قَبيل بمعنى صنف وضمن، أو بمعنى المقابلة والمواجهة عياناً كـ (رُكُب).
قرأ ابن كثير وأبو عمرو: {قِبَلًا} بكسر القاف وفتح الباء؛ أي عياناً ومواجهة ومقابلة (من قبل الشيء ومواجهته).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية وتناسبها التأسيسي: جاءت هذه الآية رداً حاسماً على شبهة الكفار في الآيات السابقة، حين توهموا أن المشكلة تكمن في نوعية المعجزة؛ فساق الله تعالى ثلاثة فروض تعجيزية خارقة: (نزول الملائكة من السماء، نطق الموتى بالشهادة، حشر جميع مخلوقات الكون مواجهة ليشهدوا بالرسالة)؛ وقرر أنه حتى لو وقع هذا المحال العادي، لما دخل الإيمان قلوبهم؛ لأن الإيمان ليس مجرد انفعال حسي بالخوارق، بل هو نور يقذفه الله بمشيئته التامة في القلب المستعد المنصف.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة توقف الإيمان على الخوارق الحسية:
يتشبث الماديون والمبطلون بطلب الحوادث الحسية الخارقة ذريعةً للتكذيب والهروب من الحجة العقلية والبيانية. وتبين الآية حقيقة سيكولوجية عميقة: المعاند إذا قُدمت له المعجزة التي طلبها لا يؤمن، بل يلتف عليها بادعاء السحر أو الخيال والتخييل {لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ}. فالأزمة في إرادة التسليم والاستجابة للحق، لا في نقص البراهين.
تقرير مشيئة الله في الهداية والرد على القدرية:
قوله {إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ}: برهان قاطع لأهل السنة على أن مشيئة الله الكونية نافذة؛ فلو اجتمعت براهين السموات والأرض ولم يشأ الله إيمان العبد لما آمن، وأن الجهل بسنن الله وقدره هو الذي يدفع الكفار إلى الأيمان الكاذبة والمقترحات السخيفة.
الترقي في سرد المستحيلات العادية: بدأ بنزول الملائكة، ثم ترقى إلى نطق الأموات، ثم ارتقى إلى الغاية القصوى بحشر كل موجود وكائن لمواجهتهم {وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا}؛ لإغلاق كافة منافذ التعذر والاعتذار.
تأكيد امتناع الإيمان بلام الجحود: {مَّا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا} ولم يقل (ما آمنوا)؛ للدلالة على أن صفة الكفر أصبحت طبعاً متأصلاً فيهم تأبى الإيمان وتستعصي عليه.
الاستدراك بـ (لَكِنَّ): في قوله {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ} لبيان أن سبب تخبطهم وسؤالهم الآيات هو الجهل التام بحقائق الأمور وسنن الله الأزلية.
اللطائف الإشارية والتدبرية:
نعمة الهداية والقرآن أعظم من كل الخوارق؛ فمن لم ينفعه القرآن العظيم وتهتز نفسه لآياته، فلن تنفعه قيامة الموتى ولا مشافهة الملائكة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
إراحة الداعية من ملاحقة اقتراحات المعاندين التعجيزية؛ فالداعية يبين الحق بالحجة والبرهان الشرعي، ولا يدخل في مساومات حسية مع المعاندين.
الأثر القلبي:
التذلل لله سبحانه والشكر المتواصل على نعمة الهداية؛ فالمؤمن لم يؤمن لكونه رأى ملكاً أو ميتاً يتكلم، بل لأن الله شرح صدره بنوره ومنّ عليه بفضله وتوفيقه.