أخرج الإمام أحمد في "مسنده" (رقم 21544)مصدر غير محددحديث رقم ٢١٥٤٤ والنسائي وابن جرير في "تفسيره" (12/ 8)مصدر غير محدد١٢/٨صحيح بإسناد صحيح عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أبا ذر، تعوذت بالله من شياطين الإنس والجن؟» فقلت: يا رسول الله، وهل للإنس شياطين؟! قال: «نعم؛ شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً، هم شر من شياطين الجن».
وروى الطبري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "شياطين الإنس والجن؛ شيطان الجن يوسوس للإنسي، وشيطان الإنس يوسوس للإنسي بمثل ذلك".
قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (3/ 322)مصدر غير محدد٣/٣٢٢: "يقول تعالى مسلياً لنبيه صلى الله عليه وسلم: وكما جعلنا لك يا محمد أعداء يخالفونك ويحاربونك، جعلنا لكل نبي من قبلك أعداء من شياطين الإنس والجن؛ وشيطان كل شيء هو العاتي المتمرد منه... يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً؛ أي يلقي بعضهم إلى بعض القول المزين المزوق المزخرف الذي يغر السامع ويخدعه ليصدوه عن سبيل الله، {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ} أي: كل ذلك واقع بمشيئته وقدره وحكمته وابتلائه، {فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} أي: فدعهم وتوكل على الله، ودع ما يكذبون ويفترون".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
(شَيَاطِينَ): جمع شيطان، وهو مشتق إما من (شَطَنَ) إذا بَعُد عن الحق والخير، وإما من (شاطَ) إذا احترق وهلك واشتد غضبه؛ والشيطان كل عاتٍ متمرد مفسد من إنس أو جن أو دابة.
(زُخْرُفَ): الزخرف في الأصل هو الذهب، ثم استُعمل لكل ما زُوّق وحُسّن وزُيّن بتمويه وباطل ليروج بين الناس.
(غُرُورًا): الغرور هو الخداع وإظهار النفع مع إبطان الضرر والهلاك.
الإعراب والتركيب:
{وَكَذَلِكَ}: الواو استئنافية للتسلية، والكاف حرف جر واسم إشارة مجرور متعلق بمحذوف مفعول مطلق (أي: جعلنا عداوتهم مثل ذلك الجعل للأمم السابقة).
{جَعَلْنَا}: فعل ماض مبني على السكون، و(نا) ضمير متصل فاعل.
{لِكُلِّ نَبِيٍّ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف مفعول به ثان لـ (جعلنا)، ونبي مضاف إليه.
{عَدُوًّا}: مفعول به أول منصوب لـ (جعلنا)، وهو مفرد يراد به الجمع.
{شَيَاطِينَ}: بدل من (عدواً) أو بيان له، منصوب وعلامة نصبه الفتحة من غير تنوين لأنه ممنوع من الصرف.
{الْإِنسِ}: مضاف إليه مجرور.
{وَالْجِنِّ}: معطوف مجرور.
{يُوحِي}: فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة، والجملة في محل نصب نعت لـ (شياطين) أو حال.
{بَعْضُهُمْ}: فاعل مرفوع، والهاء مضاف إليه.
{إِلَى بَعْضٍ}: جار ومجرور متعلق بـ (يوحي).
{زُخْرُفَ الْقَوْلِ}: مفعول به منصوب لـ (يوحي)، والقول مضاف إليه.
{غُرُورًا}: مفعول لأجله منصوب، أو مصدر في موضع الحال (أي مغرورين أو خادعين).
{وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ}: الواو حالية، لو شرطية، شاء فعل ماض ومفعوله محذوف، ربك فاعل، ما نافية، فعلوه فعل وفاعل ومفعول به، والجملة جواب لو.
{فَذَرْهُمْ}: الفاء فصيحة، ذرهم فعل أمر مبني على السكون والفاعل مستتر تقديره أنت والهاء مفعول به.
{وَمَا يَفْتَرُونَ}: الواو عاطفة أو معية، (ما) مصدرية أو موصولة، أي: فدعهم وافتراءهم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية واتصالها: بعد أن كشف الله عن إصرار كفار قريش على الكفر وأعلم نبيه أنهم لا يؤمنون حتى لو حُشرت عليهم الخلائق قُبلاً، سلى نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم بأن هذا الصراع وتلك العداوة ليست بدعاً خُص به، بل هي سنة ربانية ماضية جرت على جميع الأنبياء والمرسلين؛ ليوطن نفسه على الصبر، ويعلم أسباب رواج الباطل بحيل الشياطين وزخرفتهم للضلال.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحليل آليات الحرب النفسية وتزييف الوعي:
تفضح الآية سلاح الباطل الأكبر عبر التاريخ: "التضليل اللغوي والمصطلحات المزخرفة"؛ فالباطل لقبح ذاته وعواره لا يستطيع أن يروج بين العقلاء إلا إذا كُسي ثوباً جميلاً وزُيّن بعبارات معسولة براقة تخطف الأسماع وتخدع الألباب (زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا). فالمعركة بين الحق والباطل معركة بيان ومصطلحات ومفاهيم.
حكمة جعل العداوة والصراع:
قد يسأل سائل: لمَ جعل الله للأنبياء أعداء؟ والجواب: لظهور كمال العبودية، وامتحان إيمان الصادقين، وتمايز الخبيث من الطيب، ولينال الدعاة درجات الصبر والجهاد، ولتتجلى قدرة الله في نصرة الحق وإزهاق الباطل بعد طول صراع.
إضافة (زُخْرُفَ) إلى (الْقَوْلِ): إضافة بيانية تدل على أن الزينة مصطنعة مموهة لا حقيقة لها في باطن القول؛ فالزخرف قشر خارجي يستر العفن الداخلي.
التعبير بالوحي الخفي {يُوحِي}: إشارة إلى المكر والتآمر في الخفاء وسرية التنسيق والتناغم بين قوى الشر من الإنس والجن.
إفراد (عَدُوًّا): للدلالة على أن قوى الشر مهما تفرقت وتعددت فإنها تتحد في عداوة الحق والأنبياء كأنهم عدو واحد.
اللطائف الإشارية والتدبرية:
شيطان الإنس قد يكون أشد خطراً من شيطان الجن؛ لأن شيطان الجن يفر بالاستعاذة والأذكار، أما شيطان الإنس فيخالطك ويزين لك المنكر بلباس النصح والمودة والمظهر الجميل.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه التربوي والدعوي:
يقظة العقل المسلم والوعي الفكري؛ فلا ينخدع المؤمن بالمسميات والشعارات البراقة الفضفاضة، بل يزن الأقوال والمفاهيم بميزان الكتاب والسنة؛ فكم من سم زعاف قُدم في آنية من ذهب مزخرف!
الثبات والصبر على الأذى:
طمأنينة قلب الداعية حين يعلم أن العداوة التي يلقاها هي إرث نبوي شريف، وأن الباطل زاهق لا محالة، وأن ربه قد أحاط بهم ومكنه من النصر إن هو اتقى وصبر.