أخرج الإمام البخاري في "صحيحه" (كتاب الرقاق، باب من همّ بحسنة أو بسيئة، رقم 6491)مصدر غير محددحديث رقم ٦٤٩١ ومسلم في "صحيحه" (رقم 131)مصدر غير محددحديث رقم ١٣١ عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى قال: «إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك؛ فمن همّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن همّ بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ومن همّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن همّ بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة».
أخرج الطبري في "جامع البيان" (12/ 214)جامع البيانالطبري١٢/٢١٤ عن ابن مسعود وابن عباس في قوله: {مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا}: "الحسنة هنا: شهادة أن لا إله إلا الله والعمل الصالح؛ فالحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والسيئة بواحدة أو يغفرها الله، ولا يهلك على الله بعد ذلك إلا هالك".
قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (3/ 369)مصدر غير محدد٣/٣٦٩: "هذه الآية الكريمة مفصلة للمجمل المذكور في قوله: {مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا}، وهذا من كرم الله تعالى وفضله وسابغ جوده؛ أنه يضاعف الحسنة الواحدة إلى عشر أمثالها، وأما السيئة فلا يجازي عليها إلا بواحدة عدلاً منه وإحساناً، {وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} أي: بنقصان ثواب حسنة ولا بزيادة في عقاب سيئة".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
(الْحَسَنَةِ): كل قول أو عمل صالح يوافق الشرع ويثاب فاعله.
(السَّيِّئَةِ): كل معصية أو ذنب يخالف أمر الله ويستحق فاعله العقاب.
(أَمْثَالِهَا): جمع مِثْل، وهو النظير والمكافئ في المقدار والقدر.
الإعراب والتركيب:
{مَن}: اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.
{جَاءَ}: فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل مستتر تقديره هو.
{بِالْحَسَنَةِ}: جار ومجرور متعلق بـ (جاء).
{فَلَهُ}: الفاء رابطة لجواب الشرط، له جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم.
{عَشْرُ}: مبتدأ مؤخر مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وهو مضاف.
{أَمْثَالِهَا}: مضاف إليه مجرور، والهاء مضاف إليه؛ وجملة المبتدأ والخبر في محل جزم جواب الشرط. والجملة الشرطية خبر المبتدأ (من).
{وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ}: عاطفة، وإعرابها مطابق لسابقتها.
{لَا يُظْلَمُونَ}: لا نافية، يظلمون مضارع مبني للمجهول مرفوع بثبوت النون والواو نائب فاعل، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية حالية مؤكدة للعدل.
توجيه تذكير (عشر) مع إضافة (أمثال):
ذُكّر العدد {عَشْرُ} هنا لأن المعدود المحذوف في المعنى مؤنث تقديره: (عشر حسنات من أمثالها)؛ فراعى المعنى المقتضي للتأنيث فخالف في العدد بالتذكير كالقاعدة القياسية في الأعداد.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية والفيض الرحماني بعد مشهد الحساب والبراءة: بعد أن قرر الله الحساب والجزاء والإنذار باليوم الآخر والبراءة من أهل البدع في الآيات السابقة، فتح في هذه الآية أبواب الرجاء العريضة وأعلن قانونه السابغ في ميزان الجزاء؛ وهو "قانون الفضل في الحسنات وقانون العدل في السيئات"؛ ليطمئن قلوب المؤمنين السالكين على الصراط المستقيم بأن جهدهم مضاعف مكرم، وأن ركوب السيئة لا يضخم عليهم جوراً بل يُقابل بالمثل العادل أو العفو.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تأصيل قاعدة الفضل والعدل في الميزان الإلهي:
تكشف الآية عن كمال الربوبية والإلهية:
الحسنة بالفضل: تضاعف إلى عشر أمثالها كحد أدنى، وتصل إلى سبعمائة ضعف وإلى أضعاف كثيرة بحسب إخلاص العبد وصدقه ونفع عمله؛ تفضلاً من الله ومكرمة.
السيئة بالعدل: لا تُجزى إلا بمثلها الواحد دون أي مضاعفة، وتكفرها التوبة والاستغفار والحسنات الماحية.
فلا يهلك مع هذا الكرم إلا من تمحض خبيثاً وغلبت آحادُ سيئاته عشراتِ حسناته!
المقابلة التامة البديعة: بين (جاء بالحسنة) و(جاء بالسيئة)، وبين (عشر أمثالها) و(إلا مثلها).
التعبير بـ {جَاءَ بِالْحَسَنَةِ} و{جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ}: إشارة لطيفة إلى مصاحبة العمل وحمله إلى يوم القيامة؛ فليس الشأن في أن تفعل الحسنة في الدنيا، بل الشأن أن تأتي بها سليمة إلى الموقف لم تُحبطها بالردة ولم تُفلس بظلم العباد.
التذييل التقريري {وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ}: نفي مطلق للظلم؛ لا يُنقص من أجور المحسنين ولا يُزاد في أوزار المسيئين.
اللطائف الإشارية والتدبرية:
فضل الله وسع السماوات والأرض؛ فحين يمنحك على الدرهم عشرة دراهم وعلى التسبيحة عشر صلوات، فإنه يحثك على الاستكثار من تجارة لا تبور.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الرغبة والرجاء واستباق الخيرات:
دافعية هائلة للمؤمن للإكثار من الطاعات والصالحات مستشعراً مضاعفة الأجر والثواب عند رب كريم جواد.
الحياء من الله ومجانبة السيئات:
استشعار حلم الله وكرمه؛ فكيف يعصي العبد رباً يثيبه على الحسنة عشراً ولا يعاقبه على الذنب إلا بمثله ويمهله ليتوب ويستغفر؟!