اعتراف المشركين ببارئهم عند الكروب وتلاشي الأصنام في الأثر:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (ج ١١، ص ٣٧٤)جامع البيانالطبري١١/٣٧٤ وابن أبي حاتم عن السدي وقتادة في قوله تعالى: {بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ}: «إضراب عن باطلهم؛ أي بل تدعون الله وحده لا شريك له في حال الشدة والبلاء، فتكشف كربتكم، وتذرون آلهتكم، {فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَاءَ} أي يكشف الضر الذي تضرعتم إليه في رفعه إن شاء كشفه برحمته وفضله؛ {وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ} أي تتركون أصنامكم وتغفلون عنها فلا تخطر ببالكم ولا تطلبون منها غوثاً ولا كشفاً».
وروى الطبري عن ابن عباس: «{وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ}: أي يذهب عنكم ذكر الأوثان والأنداد كأنكم لم تعبدوها قط، لعلمكم أنها لا تملك ضراً ولا نفعاً».
وذكر القرطبي في "تفسيره" (ج ٦، ص ٤١٦)مصدر غير محدد٦/٤١٦: «هذا يدل على أن المعرفة بالله مركوزة في العقول والنفوس، لا تندثر وإن غطتها حجب الشرك والجهل؛ فإذا جاءت الشدائد انجلت تلك الحجب وظهرت المعرفة الفطرية».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بَلْ
حرف إضراب إبطالي وانتقالي؛ يبطل احتمال دعائهم لغير الله ويقرر الحقيقة المشهودة.
إِيَّاهُ
ضمير نصب منفصل؛ وتقديمه يفيد القصر والحصر المطلق.
فَيَكْشِفُ
الكشف إزالة الضر ورفع البلاء وإبانة الفرج.
إِن شَاءَ
تعليق الكشف على المشيئة الإلهية؛ لبيان أنه سبحانه الفاعل المختار الذي لا يوجب عليه أحد شيئاً.
تَنسَوْنَ
النسيان هنا بمعنى الترك والذهول والإعراض التام.
بَلْ
حرف إضراب وابتداء مبني على السكون.
إِيَّاهُ
ضمير نصب منفصل مبني على الضم في محل نصب مفعول به مقدم لتدعون.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التقرير النهائي لسقوط الأوثان في محكمة الاضطرار:
تلاحم بياني ساطع مع الآية السابقة؛ لما طرح السؤال التهكمي: {أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ}، لم ينتظر جوابهم المتلعثم، بل تولى الجواب الحاسم بالحرف {بَلْ}؛ مبيناً الواقع العياني المفحم: بل إياه وحده تدعون، وإلى فضله تلتجئون، وحينئذ تتبخر آلهتكم وتنسون تلك المعبودات الباطلة؛ فلماذا تعودون إليها بعد النجاة وتجحدون فضل من أنجاكم؟!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
حكمة التقييد بالمشيئة في {إِن شَاءَ} مع إطلاق الوعد بالدعاء في نصوص أخرى:
لماذا قال هنا {فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَاءَ} مع أنه قال في مواضع أخرى: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} و {أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ}؟!
والتحقيق الأصولي والعقدي (كما قرره ابن القيم في "بدائع الفوائد" ج ٣، ص ٥):
أن كشف الكرب الدنيوي معلق على حكمة الله ومشيئته التكوينية؛ فقد تقتضي حكمته كشفه تفضلاً ورحمة وابتلاءً ليرى أيشكرون أم يكفرون، وقد تقتضي استمرار العذاب إن كان قد حان أجل استئصالهم أو تمام عقوبتهم؛ فالله لا يتألى عليه أحد.
ولتقرير مقام الربوبية المطلقة؛ فالإجابة فضل من الله وليست واجباً عقلياً يفرضه العبد على ربه، فيبقى العبد دائماً في مقام الافتقار والرجاء.
تقديم الضمير المنفصل {إِيَّاهُ}: أبلغ صور القصر والاختصاص؛ أي لله وحده لا شريك له تتجه القلوب في ساعات الشدة، مما يدمر عقيدة الشرك من أساسها.
التعبير بـ {وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ}: إبراز لحقارة الأصنام؛ فهي عند نزول البأس تافهة لا يتذكرها أحد، والمنسي في حال الشدة لا يستحق أن يعبد في حال الرخاء.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
ترسيخ الإخلاص واليقين بأن كاشف الكروب ومفرج الهموم هو الله وحده؛ فلا يتعلق القلب بولي ولا صنم ولا سبب دنيوي استقلالاً.
الحذر من لؤم الطبع الإنساني في نسيان فضل الله بعد كشف الضر ومعاودة المعاصي والغفلة في حال الرخاء والعافية.