هبة الذرية الطيبة وموكب الأنبياء في الأثر ومأثور التفسير:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (ج ١١، ص ٥٢١)جامع البيانالطبري١١/٥٢١ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد في قوله تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۚ كُلًّا هَدَيْنَا}: «لما اعتزل إبراهيم قومه وما يعبدون من دون الله، وهب الله له إسحاق ولداً، ويعقوب نافلة ابناً لإسحاق، وجعل في ذريته النبوة والكتاب إكراماً له؛ {وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ} أي هدينا نوحاً للحق والنبوة قبل إبراهيم؛ {وَمِن ذُرِّيَّتِهِ} أي ومن ذرية نوح (وقيل: من ذرية إبراهيم): داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون؛ {وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} المخلصين في عبادة ربهم المتبعين لرسله».
وذكر ابن كثير في "تفسيره" (ج ٣، ص ٣١٠)مصدر غير محدد٣/٣١٠: «يذكر تعالى ما أنعم به على خليله إبراهيم بعد مفاصلته لقومه وهجرته في سبيل الله؛ حيث أقر عينه بالذرية الصالحة الطيبة، وجعل في نسله النبوة والملك؛ فكل نبي بُعث بعد إبراهيم كان من نسله وذريته حتى ختموا بسيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
وَوَهَبْنَا
الهبة العطاء بلا عوض ولا مقابل تفضلاً وكرماً.
كُلًّا هَدَيْنَا
تنوين كل للعوض عن المضاف إليه؛ أي وكل واحد منهما هديناه للنبوة والتوحيد.
وَمِن ذُرِّيَّتِهِ
الضمير يعود على نوح لأنه أقرب مذكور ولأن لوطاً من جملة المذكورين وهو ابن أخي إبراهيم لا من صلبه، أو يعود على إبراهيم تغليباً.
الْمُحْسِنِينَ
القائمين بالإحسان في عبادة الله ومعاملة الخلق؛ وجزاء الإحسان دوام النعمة والذكر الطيب والنبوة.
وَوَهَبْنَا
الواو عاطفة، وهبنا ماضٍ ونا فاعل.
لَهُ
متعلق بوهبنا.
إِسْحَاقَ
مفعول به منصوب بالفتحة وهو ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة.
وَيَعْقُوبَ
معطوف منصوب بالفتحة ممنوع من الصرف.
كُلًّا
مفعول به مقدم لهدينا منصوب بالفتحة.
هَدَيْنَا
ماضٍ ونا فاعل والجملة مستأنفة مؤكدة.
وَنُوحًا
الواو عاطفة، نوحاً مفعول به مقدم لهدينا الثانية منصوب بالفتحة مصروف.
هَدَيْنَا
ماضٍ ونا فاعل.
مِن قَبْلُ
متعلق بهدينا وبني قبل على الضم لانقطاعه عن الإضافة لفظاً.
أسماء معطوفة بالواو منصوبة وممنوعة من الصرف ما عدا يوسف للتأنيث أو العجمة، وموسى مقدرة.
وَكَذَٰلِكَ
الجار والمجرور متعلق بمحذوف مفعول مطلق مقدم لنجزي.
نَجْزِي
مضارع مرفوع والفاعل مستتر تقديره نحن.
الْمُحْسِنِينَ
مفعول به منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
استعراض سلسلة النبوة الذهبية ومكافأة الهجرة والإخلاص:
سياق التكريم الإلهي للخليل؛ فلما ترك قومه وأهله في الله، عوضه الله خيراً مما ترك؛ فجعل نسله أئمة يهدون بأمره، واستعرض هنا كوكبة من أعظم أنبياء بني إسرائيل من أصحاب الملك والصبر والجهاد: داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون؛ وقرنهم بأبيهم نوح؛ لبيان وحدة الشجرة النبوية واجتماعها على كلمة التوحيد والإحسان.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق مرجع الضمير في {وَمِن ذُرِّيَّتِهِ}:
اختلف المفسرون في عود الضمير في {وَمِن ذُرِّيَّتِهِ}:
القول الأول: يعود على نوح عليه السلام؛ لأنه أقرب مذكور {وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ}، وليدخل لوط في الذرية؛ إذ هو ابن أخي إبراهيم وليس من ذرية إبراهيم الصلبية، ولكنه من ذرية نوح قطعاً.
القول الثاني: يعود على إبراهيم عليه السلام؛ لأن السياق كله في تكريمه وبسط فضله، ودخول لوط معه من باب التغليب وعطف القرابة أو لكونه تلميذه وأول من آمن به؛ وكلا الوجهين صحيح ومقبول، وهو دليل على تلاحم سلالة الأنبياء.
تقديم المفعول {كُلًّا هَدَيْنَا} و {وَنُوحًا هَدَيْنَا}: لإفادة الاهتمام والحصر والاعتناء بالمهديين؛ فكل نبي منهم خُص بهداية عظيمة ونور مستقل.
التذييل بـ {وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ}: تعليل سنني؛ يبين أن هذا الاصطفاء والخلود ليس جزافاً ولا محاباة، بل هو مكافأة إلهية عادلة على كمال الإحسان في العبودية.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
اليقين بأن من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه؛ فإبراهيم ترك أباه وقومه المشركين، فرزقه الله ذرية من الأنبياء والملوك سادوا الدنيا بالحق.
لزوم مقام الإحسان؛ فإنه مفتاح الفيوضات الإلهية وكرامة الذرية والخلود الطيب في الدنيا والآخرة.