أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (ج ١١، ص ٥٨٥)جامع البيانالطبري١١/٥٨٥ وابن أبي حاتم عن عبد الله بن عباس ومجاهد وقتادة والسدي في قوله تعالى: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ}: «أي جعل مشركو العرب ومجوس فارس وغيرهم الجن شركاء لله في العبادة والطاعة والخلق؛ فأطاعوهم في عبادة الأوثان وذبحوا لهم واستعاذوا بهم في الفيافي، وزعم المجوس أن الله خلق النور والخير، وخلق إبليس (وهو من الجن) الشر والظلمة والسباع؛ {وَخَلَقَهُمْ} أي والحال أن الله هو الذي خلق الجن وأوجدهم فكيف يعبد المخلوق مع خالقه؟! {وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ} أي كذبوا واختلقوا وافتروا من عند أنفسهم سفهاً؛ فقالت النصارى: عيسى ابن الله، وقالت اليهود: عزير ابن الله، وقالت مشركو العرب: الملائكة بنات الله؛ {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ} تنزه وتقدس وعلا شأنه عن كل شريك وولد وصاحبة وعن كل ما يفتريه المبطلون».
وذكر ابن كثير في "تفسيره" (ج ٣، ص ٣٢٨)مصدر غير محدد٣/٣٢٨: «ينكر تعالى على المشركين الذين عبدوا معه غيره، وأشركوا به في عبادته الجان، مع أنه هو خالقهم من غير شيء؛ ونسبوا إليه الولد كذباً وزوراً بلا علم ولا برهان؛ فنزه نفسه الكريمة وتقدس عن سفاهاتهم وظنونهم».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
شُرَكَاءَ الْجِنَّ
جعلوا الشياطين والجن أنداداً وشركاء في طاعتهم وعبادتهم.
وَخَلَقَهُمْ
إثبات لخلقهم؛ والجملة حالية تدمغ شركهم بالتناقض؛ إذ كيف يُشرك المخلوق مع خالقه؟!
وَخَرَقُوا
اختلقوا وافتروا وقطعوا كذباً وزوراً من عند أنفسهم بغير أثارة من علم؛ وأصل الخرق الشق والقطع بغير قياس ولا تقدير.
سُبْحَانَهُ
تنزيهاً وبراءة مطلقة له عن كل عيب ونقص وشبيه وولد وشريك.
وَتَعَالَىٰ
ترفع واستعلى استعلاء الذات والصفات والقدر عن مقالات الظالمين.
وَجَعَلُوا
الواو استئنافية للتوبيخ، جعلوا فعل وفاعل.
لِلَّهِ
متعلق بمحذوف مفعول به ثانٍ لجعلوا قدم للاهتمام والتشنيع.
شُرَكَاءَ
مفعول به أول لجعلوا منصوب بالفتحة وهو مضاف (أو الجن مفعول أول وشركاء مفعول ثانٍ).
الْجِنَّ
بدل من شركاء منصوب بالفتحة (أو مفعول به أول وشركاء مفعول ثانٍ).
وَخَلَقَهُمْ
الواو حالية، خلقهم ماضٍ والفاعل مستتر تقديره هو يعود على الله والهاء مفعول به والميم للجمع، والجملة في محل نصب حال.
وَخَرَقُوا
الواو عاطفة، خرقوا ماضٍ والواو فاعل.
لَهُ
متعلق بخرقوا.
بَنِينَ
مفعول به لخرقوا منصوب بالياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم.
وَبَنَاتٍ
معطوف منصوب بالكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم.
بِغَيْرِ
جار ومجرور في محل نصب حال من فاعل خرقوا (أي متلبسين بالجهل التام) وهو مضاف.
عِلْمٍ
مضاف إليه مجرور بالكسرة.
سُبْحَانَهُ
مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره (أسبح سبحانه) منصوب بالفتحة وهو مضاف والهاء مضاف إليه.
وَتَعَالَىٰ
الواو عاطفة، تعالى ماضٍ مبني على فتح مقدر والفاعل مستتر.
عَمَّا
عن حرف جر، ما موصولة أو مصدرية متعلق بتعالى.
يَصِفُونَ
مضارع والواو فاعل والجملة صلة ما.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إدانة الانحطاط الشركي بعد استعراض البدائع التوحيدية:
بعد أن عرض في الآيات السابقة مملكته العظمى وبدائع قدرته في النبات والفلك والأنفس، التفت إلى أقبح صور الشرك والضلال البشري ليشنع عليها؛ فبعد كل هذا الجلال اتخذ هؤلاء الجهلة من الجن شركاء لله، واخترعوا له بنين وبنات بلا علم ولا برهان؛ فكان التعقيب بتسبيح الذات وتنزيهها: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ} صدمة تطهر الآذان من دنس تلك المفتريات.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تهافت عقائد الثنوية والشرك في ضوء حقيقة الخلق والتنزيه:
تحاكم الآية أصول الشرك الوثني والمجوسي واليهودي والنصراني:
عبادة الجن وإشراكهم في الخلق (كعقيدة ماني وزرادشت في نسبة الشر للظلمة وإبليس) باطلة بنص قوله: {وَخَلَقَهُمْ}؛ فما دام الجن مخلوقين لله، فالمخلوق عبد مقهور لا يستقل بفعل ولا خلق، ولا يستحق أدنى عبادة.
نسبة البنين والبنات لله اختلاق عقلي أهوج: {بِغَيْرِ عِلْمٍ}؛ فالولد إنما يحتاج إليه العاجز الفاني لبقاء نسله ومعونته، والله تعالى صمد غني منزه عن الصاحبة والشريك والمثل.
الجملة الحالية المعترضة {وَخَلَقَهُمْ}: قمة في الإفحام العقلي؛ ثلاث كلمات نسفت كل عبادة لغير الله؛ فكيف يُعدل الخالق بالمخلوق؟!
استعمال لفظ {وَخَرَقُوا} بدلاً من "افتروا": استعارة تمثيلية بالغة السخرية والتشنيع؛ فالخرق شق الثوب بجهل وخشونة وبلا قياس؛ صور افتراءهم للولد كأنه تصرف أهوج أخرق يقطع في الحقائق بلا مسكة من عقل.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تنزيه الله وتقديسه باللسان والجنان عن كل ما لا يليق بجلاله وكماله، والإكثار من التسبيح والتقديس.
الحذر من الوقوع في حبائل الشياطين والجن أو الخوف منهم واللجوء إليهم في السحر والشعوذة؛ فإنهم عبيد مخلوقون مقهورون لله الواحد القهار.