سبب النزول وتفسير الفطر وإطعام الخالق وغناه المطلق:
أخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما: «أن كفار قريش قالوا: يا محمد، قد تركت دين آبائك وشتمت آلهتنا، فارجع إلى ديننا ونحن نجمع لك من أموالنا حتى تكون أغنانا، ونزوجك ما شئت؛ فأنزل الله تعالى: {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ...} الآية».
وأخرج الطبري (ج ١١، ص ٢٨٦)مصدر غير محدد١١/٢٨٦ عن ابن عباس قال: «كنت لا أدري ما فاطر السماوات والأرض، حتى اختصم إليّ أعرابيان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها؛ أي أنا ابتدأتها وأنشأتها أولاً».
وروى الحاكم (ج ٢، ص ٣١٥)مصدر غير محدد٢/٣١٥ والبغوي عن سعيد بن جبير ومجاهد في قوله: {وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ}: «يرزق خلقه جميعاً ولا يحتاج إلى طعام ولا رزق من أحد؛ لأن الصمد الغني عن كل ما سواه وكل شيء فقير إليه».
{فَاطِرِ}: خالق ومبدع ومبتدئ على غير مثال سابق، من الفطر وهو الشق والابتداء.
{يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ}: يرزق ويكفل ويغذي عباده، وهو غني صمد لا يأكل ولا يطعم ولا يحتاج إلى قوام بدني.
{أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ}: أسبق هذه الأمة انقياداً وخضوعاً وتوحيداً لله رب العالمين.
القراءات المتواترة في الآية:
قرأ الجمهور: {وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ} بضم ياء يُطعم الأولى وكسر عينها (مبني للفاعل)، وضم ياء ولا يُطعم الثانية وفتح عينها (مبني للمفعول).
وقرأ أبو جعفر بن القعقاع وسعيد بن جبير والأعمش: {وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يَطْعَمُ} بفتح ياء يطعم الثانية وفتح عينها؛ أي: يرزق خلقه وهو لا يأكل طعاماً؛ والمعنى متطابق ومتكامل في إثبات الغنى المطلق لله ونفي الحاجة إلى الغذاء.
الإعراب والتركيب:
{قُلْ}: أمر مبني على السكون.
{أَغَيْرَ}: الهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي، غير مفعول به أول مقدم لـ أتخذ منصوب بالفتحة وهو مضاف.
بعد أن بينت الآيات السابقة كمال ملك الله للسموات والأرض وسكون الليل والنهار وشمول رحمته، جاءت هذه الآية لتلقن النبي صلى الله عليه وسلم كلمة التوحيد الفاصلة والرد القاطع على مساومات قريش الشركية؛ فكيف يتخذ عاقل ولياً ومعبوداً سوى الله الذي فطر الكون ويطعم الخلائق ولا يحتاج إلى طعامهم؟! فجاءت الآية برهاناً ساطعاً يقارن بين غنى الخالق الفاطر وفقر وعجز المخلوقات المربوبة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الاستدلال بالحاجة إلى الطعام على امتناع الألوهية للمخلوق:
الآية حجة عقلية كبرى؛ فالإله الحق لابد أن يكون غنياً غنى ذاتياً مطلقاً؛ وكل كائن يطعم ويحتاج إلى الغذاء (كالأوثان التي كانت توضع لها القرابين أو كعيسى وأمه اللذين كانا يأكلان الطعام) هو محتاج فقير عاجز، والفقير لا يكون رباً ولا ولياً؛ فكيف يُعدل بالله الفاطر الرزاق الغني الصمد الذي يرزق كل دابة ولا يفتقر إلى شيء؟!
تقديم المعمول {أَغَيْرَ اللَّهِ}: لإفادة القصر والتأكيد على إنكار أن يقع الاتخاذ لغير الله كائناً من كان؛ والهمزة الاستفهامية للإنكار والتعجيب من مجرد خطور هذا الباطل على البال.
التعبير بالصناعة اللفظية المتقابلة {يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ}: طباق بديعي وجناس اشتقاقي باهر يرسخ في الوجدان التباين المطلق بين قدرة الخالق وعجز المخلوق.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحقيق التوكل والاستغناء بالله وحده؛ فإذا كان الله هو الذي يطعمك ويكفل حياتك ولا يطعمه أحد، فلم تذل نفسك للمخلوقين وترجو فضلهم في رزق أو نفع؟!
وجوب المبادرة والسبق إلى الاستسلام لله وأمره، وأن يكون الداعية قدوة في التزامه بالتوحيد ونبذه لكل شوائب الشرك والمداهنة.