أخرج الإمام الطبري في "جامع البيان" (12/ 126)جامع البيانالطبري١٢/١٢٦ وابن أبي حاتم عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: "هذه الآية وما بعدها نزلتا في محاجة المشركين ومناظرتهم في أمر البحائر والسوائب والوصائل والحوام، حين زعموا أن الله حرم ذكور بعضها وإناث بعضها، وحرم ظهور بعضها وبطون بعضها؛ فألزمهم الله الحجة العقلية القاطعة التي تبطل أصول دعاواهم".
قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (3/ 348)مصدر غير محدد٣/٣٤٨: "هذا بيان لجهل المشركين فيما كانوا ابتدعوه من تحريم ما أحل الله من الأنعام، فبين تعالى أنه خلق ثمانية أزواج؛ أي أربعة أصناف من كل صنف زوجان ذكر وأنثى: من الضأن اثنين كبش ونعجة، ومن المعز اثنين تيس وعنز، (وفي الآية الآتية: ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين)... ثم أمر نبيه أن يحاجهم بالبرهان الساطع: {قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنثَيَيْنِ}: فإن قلتم حرم الذكرين، لزمكم تحريم كل ذكر من الضأن والمعز وأنتم لا تحرمون كل الذكور! وإن قلتم حرم الأنثيين، لزمكم تحريم كل أنثى وأنتم لا تحرمون كل الإناث! وإن قلتم حرم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين، فكل مولود يشتمل عليه الرحم إما ذكر وإما أنثى فيلزمكم تحريم الجميع! فبأي مسوغ خصصتم هذا بالتحريم وهذا بالتحليل؟! {نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} أي أخبروني عن علم صحيح ورواية مأثورة عن الله، ولا علم عندكم بل هو الخرص والجهل".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
(أَزْوَاجٍ): الزوج في اللغة هو الفرد الذي معه آخر من جنسه يقابله كالذكر والأنثى؛ ويُطلق الزوج على الاثنين المقترنين معاً. والثمانية أزواج هي: الذكر والأنثى من الضأن، والذكر والأنثى من المعز، والذكر والأنثى من الإبل، والذكر والأنثى من البقر.
(الضَّأْنِ): ذوات الصوف من الغنم، وجمعه ضئين.
(الْمَعْزِ): ذوات الشعر من الغنم، وجمعه ماعز وأمعوز.
(آلذَّكَرَيْنِ): الهمزة للاستفهام دخلت على لام التعريف فأُبدلت همزة الوصل ألفاً مدية أو سُهلت بين بين.
الإعراب والتركيب:
{ثَمَانِيَةَ}: بدل من (حمولة وفرشاً) في الآية السابقة منصوب وعلامة نصبه الفتحة، أو مفعول به لفعل محذوف تقديره (أنشأ ثمانيةَ أزواج).
{أَزْوَاجٍ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة.
{مِّنَ الضَّأْنِ}: متعلق بمحذوف حال أو نعت لـ (اثنين).
{اثْنَيْنِ}: بدل تفصيل من (ثمانية) منصوب بالياء لأنه ملحق بالمثنى (وهما الذكر والأنثى).
{وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ}: معطوف منصوب بالياء.
{قُلْ}: فعل أمر مبني على السكون، والفاعل مستتر تقديره أنت.
{آلذَّكَرَيْنِ}: الهمزة للاستفهام الإنكاري الإفحامي، اللام للتعريف، والاسم مفعول به مقدم لـ (حرّم) منصوب بالياء لأنه مثنى.
{حَرَّمَ}: فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على الله بزعمهم. والجملة في محل نصب مقول القول.
{أَمِ}: حرف عطف متصلة لمعادلة الاستفهام.
{الْأُنثَيَيْنِ}: معطوف على (الذكرين) منصوب بالياء.
{أَمَّا}: (أم) عاطفة، (ما) اسم موصول مبني في محل نصب معطوف على ما تقدم.
{اشْتَمَلَتْ}: فعل ماض والتاء للتأنيث.
{عَلَيْهِ}: متعلق بـ (اشتملت).
{أَرْحَامُ}: فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
{الْأُنثَيَيْنِ}: مضاف إليه مجرور بالياء، وجملة الصلة لا محل لها.
{نَبِّئُونِي}: فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل والنون للوقاية والياء مفعول به أول.
{بِعِلْمٍ}: متعلق بـ (نبئوني) في موضع المفعول الثاني.
{إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}: شرط وجوابه محذوف دل عليه ما قبله.
القراءات المتواترة والتوجيه الصوتي الباهر:
قرأ القراء السبعة قاطبة في قوله: {آلذَّكَرَيْنِ}: بالمد الطويل المشبع (ست حركات) مع إبدال همزة الوصل ألفاً محضة للتفرقة بين الاستفهام والخبر، أو بتسهيل همزة الوصل بين الهمزة والألف بلا مد؛ وكلا الوجهين صحيح متواتر في علم القراءات.
قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحفص وحمزة والكسائي: {مِنَ الْمَعْزِ} بفتح الميم وسكون العين. وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم: {مِنَ الْمَعَزِ} بفتح الميم والعين معاً؛ وهما لغتان فصيحتان.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية وبلوغ الذروة في الإفحام العقلي والمناظرة المنطقية: هذه الآية الكريمة تمثل قمة "المحاكمة العقلية وحصر القسمة الرياضية المنطقية"؛ فالقرآن لا يكتفي بنهي المشركين عن التحريم، بل يأخذ أقوالهم ويفككها تفكيكاً منطقياً صارماً؛ بحصر الاحتمالات العقلية الثلاثة في التحريم: إما الذكورة، وإما الأنوثة، وإما اشتمال الرحم عليهما. فلما بطلت الاحتمالات الثلاثة، انهار زعمهم وبان لكل ذي عقل أن تحريمهم مجرد كذب وافتراء لا سند له من العلم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
قوة السبر والتقسيم المنطقي في الآية:
استعمل القرآن في هذه الآية مسلكاً أصولياً وكلامياً باهراً يُعرف في علم الأصول والمنطق بـ "السَّبْر والتَّقْسِيم" وحصر المدارك:
لو كان التحريم لعلة "الذكورة"؛ لحرم كل ذكر من الضأن والمعز، وهم يحلون ذكوراً كثيرة!
ولو كان التحريم لعلة "الأنوثة"؛ لحرمت كل أنثى، وهم يستحلون إناثاً كثيرة!
ولو كان التحريم لكون "الرحم يشتمل عليه"؛ لكان كل ما في الأرحام حراماً؛ لأن الرحم لا يشتمل إلا على ذكر أو أنثى، وهم لا يحرمون كل الأجنة!
فثبت بالبرهان الرياضي القطعي تهافت تحكمهم؛ وأن علة التحريم المزعومة معدومة، وسقطت حججهم وتهاوت تقاليدهم كبيت العنكبوت.
التحدي القاطع بطلب البرهان العلمي: في قوله {نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}؛ إعلان لمنهج الإسلام بأن العقائد والشرائع لا تُقبل بالظن والخرص، بل بالعلم اليقيني الصادق.
اللطائف الإشارية والتدبرية:
عظمة المنهج العقلي في القرآن الكريم؛ فالقرآن يحترم عقل الإنسان، ويخاطبه بالبرهان المنطقي الذي يلزم الخصم من حيث لا يحتسب.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
منهج المناظرة والمحاجة العلمية:
تعلم أسلوب الحوار والمناظرة المفحمة مع المخالفين؛ بإلزامهم بلوازم مذاهبهم وحصر احتمالاتهم وإظهار تناقضهم بالدليل العقلي الرصين.
التجرد للحق ونبذ التقليد:
تحرير العقل من التبعية العمياء للأعراف والموروثات الباطلة؛ فالواجب على العاقل أن يطلب البرهان والدليل في كل ما يدين الله به.