أخرج الإمام الطبري في "جامع البيان" (12/ 78)جامع البيانالطبري١٢/٧٨ بسنده عن قتادة في قوله تعالى: {ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ}: "يقول: إنما أرسل الله الرسل وأنزل الكتب ونبه العباد لئلا يهلك أمة بظلمها وشركها وهي غافلة لم يسبق إليها نذير ولا رسول؛ فما كان الله ليهلك أحداً حتى يقدم إليه المعذرة وينزل إليه الحجة".
قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (3/ 339)مصدر غير محدد٣/٣٣٩: "{ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ} أي: إنما أعذرنا إلى الثقلين بإرسال الرسل وإنزال الكتب لئلا يؤاخذ أحد بظلمه إلا بعد قيام الحجة عليه وبلوغ الرسالة إليه، {وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ} أي: لم يأتهم نذير ينبههم، كقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا}، وقوله: {رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ}".
قال القرطبي (7/ 92)مصدر غير محدد٧/٩٢: "في الآية وجهان: أحدهما: لم يكن ربك ليهلكهم بظلم منه لهم وهم غافلون؛ لأن الله منزه عن الظلم. والوجه الثاني وهو الأظهر والأصح عند المحققين: لم يكن ربك ليهلك القرى بظلمهم وشركهم في حال غفلتهم قبل إرسال الرسل وإقامة البينة عليهم".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
(مُهْلِكَ): اسم فاعل من الإهلاك، وهو الاستئصال بالعذاب والدمار.
(غَافِلُونَ): الغَفْلَة سهو يعتري النفس لعدم التنبيه وتشتت الانتباه وعدم وصول العلم الموقظ.
الإعراب والتركيب:
{ذَلِكَ}: اسم إشارة مبتدأ، واللام للبعد والكاف للخطاب.
{أَن}: مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف تقديره (أنه).
{لَّمْ يَكُن}: لم حرف جزم، يكن مضارع ناقص مجزوم بلم وعلامة جزمه السكون.
{رَبُّكَ}: اسم (يكن) مرفوع والكاف مضاف إليه.
{مُهْلِكَ}: خبر (يكن) منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة وهو مضاف.
{الْقُرَى}: مضاف إليه مجرور بكسرة مقدرة للتعذر.
{بِظُلْمٍ}: الباء للسببية أو الملابسة، والجار والمجرور متعلق بـ (مهلك)؛ أي بسبب ظلمهم، أو بملابسة ظلم من الله تعالى تنزيهاً له.
{وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ}: الواو حالية، أهلها مبتدأ والهاء مضاف إليه، غافلون خبر المبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، والجملة الاسمية في محل نصب حال من القرى أو من مفعول مهلك.
والمصدر المؤول من (أن المخففة وما بعدها) في محل رفع خبر المبتدأ (ذلك)، والتقدير: ذلك الأمر بسبب عدم إهلاك القرى في حال غفلتهم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية وتناسبها العدلي التأسيسي: بعد أن قرر في الآية السابقة إرسال الرسل للثقلين واعتراف المجرمين على أنفسهم، جاءت هذه الآية لتبين "العلة التشريعية والحكمة الكبرى" من وراء تلك السلسلة الرسالية؛ وهي تأكيد عدل الله المطلق؛ فالله سبحانه لا يعاجل الأمم بالاستئصال والإهلاك لمجرد كفرهم وظلمهم ما داموا في غفلة لم ينبههم رسول، بل لا ينزل بهم العذاب إلا بعد البلاغ المبين ونفاد المعذرة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق مسألة حكم أهل الفترة ومن لم تبلغه الدعوة:
الآية قاعدة كبرى عند أهل السنة في شأن "أهل الفترة" ومن لم تبلغهم دعوة الرسل أو بلغتهم مشوهة محرّفة؛ فالله تعالى لا يعذبهم بجهلهم وغفلتهم حتى تقوم عليهم الحجة؛ ومن مات منهم دون بلاغ صحيح فإنه يُمتحن في عَرَصات القيامة على الراجح من أقوال السلف لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة عن أربعة يُدلون بحجتهم يوم القيامة ومنهم رجل مات في فترة فيُبعث إليه رسول في عَرَصات القيامة فيأمره وينهى.
تنزيه الله عن الظلم:
إهلاك الغافل دون بيان وإعذار ينافي كمال العدل الإلهي؛ والله كتب على نفسه الرحمة والعدل، وحرّم الظلم على نفسه وجعله بين عباده محرماً.
الإشارة بـ {ذَلِكَ}: إشارة إلى ما تقدم من بعثة الرسل وقصص الآيات؛ تفخيماً لشأن تلك الحكمة وإبرازاً لقيمتها العدلية.
الجملة الحالية {وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ}: قيد حاسم يبين موضع انتفاء الإهلاك؛ فالغفلة الناشئة عن عدم وصول البلاغ تسقط المؤاخذة الدنيوية بالاستئصال.
اللطائف الإشارية والتدبرية:
سعة حلم الله وصبره على عباده؛ فالله لا يعاجل العصاة بالعقوبة، بل يرسل النذر ويفصل الآيات ويكرر التنبيه؛ فإذا تمادوا في الطغيان حقت عليهم كلمة العذاب.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
مسؤولية البلاغ على عاتق الأمة:
إذا كان الله لا يعذب الأمم حتى يبلغهم النذير، فإن مسؤولية تبليغ الإسلام إلى البشرية اليوم تقع على عاتق أمة الإسلام ودعاتها؛ لإنقاذ الغافلين من ظلمات الجهل وإقامة حجة الله في الأرض.
استشعار عدل الله ورحمته:
ترسيخ محبة الله في قلب المسلم؛ فهو الرب الرحيم العادل الذي لا يظلم مثقال ذرة، والذي وسعت رحمته وحجته كل شيء.