هذه الآية والآيتان بعدها (151، 152، 153) هي "آيات الوصايا العشر المحكمات" التي أجمعت عليها جميع الشرائع السماوية، ولم تُنسخ في كتاب قط.
أخرج الترمذي في "سننه" (كتاب التفسير، باب ومن سورة الأنعام، رقم 3070)مصدر غير محددحديث رقم ٣٠٧٠ والحاكم وصححه وابن أبي حاتم والطبري (12/ 170)مصدر غير محدد١٢/١٧٠ عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "من سرّه أن ينظر إلى وصية محمد صلى الله عليه وسلم التي عليها خاتمه فليقرأ: {قُلْ تَعَالَوا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا...} إلى قوله: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ}".
وروى ابن عباس رضي الله عنهما قال: "هذه الآيات المحكمات التي ذكرها الله في سورة آل عمران: {مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ}، وهي الوصايا التي كُتبت في ألواح موسى وأُمر بها عيسى ومحمد والأنبياء أجمعون؛ لا يحل لأحد في ملة من الملل أن يخالفها".
قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (3/ 357)مصدر غير محدد٣/٣٥٧: "يقول تعالى لنبيه ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء المشركين الذين عبدوا غير الله وحرموا ما رزقهم الله وقتلوا أولادهم؛ كل ذلك بآرائهم وأهوائهم وإملاء الشياطين: {تَعَالَوا} أي: هلموا وأقبلوا، {أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} حقاً وصدقاً بوحي منه لا بتخرص وظن... فبدأ بأعظم المحرمات وهو الشرك بالله، ثم عطف عليه بآكد الحقوق بعد حق الله وهو بر الوالدين، ثم نهى عن قتل الأولاد مخافة الفقر ووعد بالرزق، ثم نهى عن مقاربة الفواحش ظاهرها وباطنها، ثم نهى عن قتل النفس المعصومة إلا بالحق الشرعي... {ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} أي: تفهمون مواعظه وأوامره".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
(تَعَالَوا): فعل أمر جامد مأخوذ من العلو والارتفاع؛ وأصله أن ينادي الرجلُ غيرَه من مكان عالٍ فيقول: تَعَالَ (أي اصعد وارتفع إليّ)، ثم كثر استعماله في مطلق الطلب والإقبال على الشيء ذي الشأن والرفعة.
(إِمْلَاقٍ): الفقر والفاقة وضيق المعيشة وعدم وجود القوت؛ وأملق الرجل إذا أنفق ماله حتى صار لا يملك شيئاً وملست يداه.
(الْفَوَاحِشَ): جمع فاحشة، وهي كل ذنب ومعصية عظم قبحها وشناعتها شرعاً وطبعاً وعقلاً كالزنا واللواط والكبائر.
الإعراب والتركيب:
{قُلْ}: فعل أمر مبني على السكون، والفاعل مستتر تقديره أنت.
{تَعَالَوا}: فعل أمر جامد مبني على حذف النون، والواو ضمير متصل فاعل.
{أَتْلُ}: فعل مضارع مجزوم في جواب الطلب (تعالوا) وعلامة جزمه حذف حرف العلة (الواو)، والفاعل مستتر وجوباً تقديره أنا.
{مَا}: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به لـ (أتل).
{حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ}: فعل وفاعل ومضاف إليه وجار ومجرور متعلق بحرم، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{أَلَّا تُشْرِكُوا}: (أن) تفسيرية للمحرم، أو مصدرية ناصبة في تأويل مصدر بدل من (ما حرم) على حذف لا أو بتقدير (وصاكم بألا تشركوا)؛ و(لا) ناهية أو نافية، (تشركوا) مضارع منصوب بأن أو مجزوم بلا الناهية وعلامته حذف النون والواو فاعل.
{بِهِ}: متعلق بـ (تشركوا).
{شَيْئًا}: مفعول به منصوب، أو مفعول مطلق نائب عن المصدر (أي شركاً قليلاً أو كثيراً).
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية وبراعة الانتقال من المحرمات المزيفة إلى المحرمات الحقيقية الكبرى: بعد أن فرغ القرآن من دحض وتبديد المحرمات الوهمية التي ابتدعها المشركون في أموالهم وأنعامهم (من الآية 136 إلى 150)، ناداهم الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا النداء العلوي: دعوا عنكم تلك الترهات والبدع، وتعالوا لأتلو عليكم المحرمات الحقيقية التي حرمها خالقكم وربكم؛ فجاءت الآيات بالوصايا العشر المتضمنة للأصول الكلية لحفظ الضروريات الخمس: (حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ العرض، وحفظ المال).
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الفرق الإعجازي بين آية الأنعام وآية الإسراء في قتل الأولاد:
في الأنعام قال تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ}؛ استعمل {مِّنْ إِمْلَاقٍ} وقدم رزق الآباء {نَرْزُقُكُمْ}.
في الإسراء قال تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ}؛ استعمل {خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ} وقدم رزق الأبناء {نَرْزُقُهُمْ}.
السر البلاغي الإعجازي:
في الأنعام: الإملاق فقر حاصل وواقع بالفعل في اليد؛ فالآباء فقراء معدمون يقتلون أولادهم لعجزهم عن إطعامهم في الحال، فناسب أن يطمئن الله الآباء أولاً بأنه يرزقهم هم في الحاضر ويرزق أولادهم معهم {نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ}.
في الإسراء: الإملاق فقر متوقع في المستقبل ليس حاصلاً الآن (خشية إملاق)؛ فهم أغنياء ولكن يخشون أن يشاركهم الأولاد في أموالهم فيفتقروا في المستقبل، فناسب أن يطمئنهم على رزق الأولاد القادمين أولاً {نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ}؛ لبيان أن الولد يأتي ومعه رزقه المقدر.
استثناء الحق في قتل النفس المعصومة:
قوله {إِلَّا بِالْحَقِّ}: بيّنه النبي صلى الله عليه وسلم بياناً قاطعاً في الحديث المتفق عليه: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة».
استعمال (تَعَالَوا): إشعار بأن الانصياع للشرع سمو وعلو ورفعة، وأن الانغماس في بدع الجاهلية انحدار وركود وسفول.
التعبير بالنهي عن المقاربة {وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ}: أبلغ من النهي عن مجرد الفعل؛ لأن النهي عن القرب يستلزم سد الذرائع وتحريم كل وسيلة وخلوة ونظرة تفضي إلى الوقوع في الفاحشة.
الختام بـ {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}: لأن هذه المنهيات المذكورة في هذه الآية تستقبحها العقول السليمة والفطر النقية ببديهتها.
اللطائف الإشارية والتدبرية:
قرن الله بر الوالدين بالتوحيد في مواضع كثيرة من القرآن؛ لبيان أن حق الوالدين أعظم حقوق المخلوقين؛ فالرب هو الموجد من العدم، والوالدان هما سبب الوجود في الدنيا.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
ترتيب الأولويات في البناء المجتمعي:
تأسيس المجتمع المسلم على التوحيد، ثم حماية الأسرة بالبر ورعاية الطفولة وحق الحياة، وتطهير المجتمع من دنس الفواحش وحفظ الدماء المعصومة.
الأمن المالي والرزق:
قطع وساوس الخوف من الفقر؛ فالله هو الرزاق ذو القوة المتين، ورزق العباد مضمون بضمانة رب العالمين.