ذكر أنبياء الزهد والعفة وإثبات دخول أولاد البنات في الذرية في الأثر:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (ج ١١، ص ٥٢٤)جامع البيانالطبري١١/٥٢٤ وابن أبي حاتم والحاكم عن عبد الله بن عباس ومجاهد وقتادة في قوله تعالى: {وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ}: «هؤلاء كوكبة أخرى من أنبياء بني إسرائيل الصالحين الذين امتازوا بالزهد التام في الدنيا والانقطاع للعبادة؛ {كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ} أي كلهم من خيار عباد الله المصلحين، برأهم الله من الأدناس وطهر نفوسهم».
وروى الطبري والبيهقي والشعبي في قصة مناظرة يحيى بن يعمر للحجاج بن يوسف الثقفي: «قال الحجاج ليحيى بن يعمر: هل تجد في كتاب الله أن الحسن والحسين من ذرية محمد صلى الله عليه وسلم؟! فقال يحيى: نعم، قال الله تعالى: {وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ... وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ}، وعيسى من ذرية إبراهيم أو نوح من جهة أمه مريم بلا أب، فكذلك ولد البنت من ذرية الرجل؛ فأنصفه الحجاج وسكت».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ
نبيان كريمان، والد وابنه، ختما نبوات بني إسرائيل بالزهد والدعوة والبذل.
وَعِيسَىٰ
كلمة الله وروحه ألقاها إلى مريم العذراء البتول.
وَإِلْيَاسَ
نبي كريم من أنبياء بني إسرائيل بُعث إلى أهل بعلبك لإبطال صنم بعل.
كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ
تنوين كل للعوض؛ أي كل واحد منهم مستقر في أعلى مراتب الصلاح والاصطفاء.
وَزَكَرِيَّا
الواو عاطفة، زكريا معطوف على داوود منصوب بفتحة مقدرة على الألف للتعذر ممنوع من الصرف للعلمية وزيادة الألف.
وَيَحْيَىٰ
معطوف منصوب بفتحة مقدرة ممنوع من الصرف للعلمية وشبه الفعل.
وَعِيسَىٰ
معطوف منصوب بفتحة مقدرة ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة.
وَإِلْيَاسَ
معطوف منصوب بالفتحة ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة.
كُلٌّ
مبتدأ مرفوع بالضمة، والتنوين تنوين عوض عن مضاف إليه محذوف (أي كل واحد منهم).
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إبراز صنف الزهاد الأتقياء من موكب النبوة:
بعد أن ذكر في الآية السابقة أنبياء الملك والسلطان والجهاد والدولة (كداود وسليمان ويوسف وموسى)، عطف هنا بذكر الصنف الآخر من الأنبياء؛ وهم أرباب الزهد المطلق، والعفة الكاملة، والتبتل، وشهداء الحق (كزكريا ويحيى وعيسى وإلياس)؛ لبيان أن النبوة تستوعب كل مقامات الكمال الإنساني؛ فمنهم من ساس الدنيا بالعدل، ومنهم من تجرد عنها بالزهد، والجميع يلتقون في ذروة الصلاح والإخلاص.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
الاستدلال بالآية على أن ذرية البنت تدخل في ذرية الرجل شرعاً ولغة:
استدل أئمة الفقه والتفسير (القرطبي وابن كثير) بدخول عيسى عليه السلام في ذرية إبراهيم أو نوح هنا مع أنه وُلد من غير أب بل من جهة أمه مريم عليها السلام؛ فدل نص القرآن الصريح على أن أبناء البنات يُعدون من ذرية الرجل ونسله شرعاً؛ وهي الحجة القاطعة في دخول الحسن والحسين وأولاد فاطمة رضي الله عنهم في ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم بنص القرآن والحديث.
الوصف بـ {كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ}: إضفاء تاج الصلاح الجامع؛ فالصلاح عند الإطلاق يشمل كمال الاستقامة القلبية، والعملية، والقولية، والوفاء بحقوق الله وحقوق العباد.
التنوع العجيب في طبائع هؤلاء الأنبياء: جمع بين من عاش فقيراً مجرداً وبين من بُعث مصلحاً صابراً ليبرز تنوع مسالك الدعوة وطرق العبودية.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
محبة أنبياء الله ورسله جميعاً وإجلال مقاماتهم الشريفة وتنوع مناهجهم في الصبر والزهد.
التنافس في تحقيق مرتبة الصلاح؛ فإنها أمنية الأنبياء: {رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ}.