توجيهات أئمة السلف والتفسير في ختام السورة الجامع:
هذه الآية والآيات الثلاث بعدها إلى نهاية السورة تمثل "الذروة الختامية والبيان التأسيسي العام" لدعوة الإسلام والتوحيد في سورة الأنعام؛ حيث أُمر النبي صلى الله عليه وسلم بإعلان هويته الإيمانية ومنهاجه العقائدي والعملي في أربعة أوامر متتابعة بـ {قُلْ}.
أخرج الطبري في "جامع البيان" (12/ 218)جامع البيانالطبري١٢/٢١٨ بسنده عن قتادة ومجاهد في قوله: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا}: "يقول الله لنبيه: قل لهؤلاء المشركين المفترين: إنني هداني ربي ووفقني وأرشدني إلى الطريق السوي المعتدل، ديناً قيماً مستقيماً لا عوج فيه، وهو ملة إبراهيم حنيفاً مائلاً عن الشرك كله إلى التوحيد الخالص، وما كان إبراهيم قط من المشركين كما تفترون".
قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (3/ 370)مصدر غير محدد٣/٣٧٠: "يقول تعالى آمراً نبيه صلى الله عليه وسلم أن يخبر بما منّ الله عليه من الهداية إلى صراطه المستقيم الذي لا عوج فيه ولا اعوجاج، {دِينًا قِيَمًا} أي: قائماً ثابتاً مستقيماً مبنياً على مصالح العباد في المعاش والمعاد، {مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} أي: مائلاً عن الشرك إلى التوحيد، ونزه الله خليله إبراهيم عن الشرك رداً على مشركي قريش الذين كانوا يدعون أنهم على ملة إبراهيم وهم يعبدون الأوثان".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
(قِيَمًا): مصدر قام يقوم، أو صفة مشبهة؛ وهو المستقيم القائم بأمر الله ومصالح خلقه الذي لا عوج فيه.
(حَنِيفًا): الحنيف هو المائل عن سائر الأديان الباطلة والمقبل بكليته على دين التوحيد الحق.
الإعراب والتركيب:
{قُلْ}: فعل أمر مبني على السكون، والفاعل مستتر تقديره أنت.
{إِنَّنِي}: إن حرف توكيد ونصب، والنون للوقاية والياء اسمها.
{هَدَانِي}: فعل ماض مبني على الفتح المقدر، والنون للوقاية والياء مفعول به أول.
{رَبِّي}: فاعل مرفوع بضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، والياء مضاف إليه؛ والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ).
{إِلَى صِرَاطٍ}: جار ومجرور متعلق بـ (هداني).
{مُّسْتَقِيمٍ}: نعت لـ (صراط) مجرور بالكسرة.
{دِينًا}: عطف بيان أو بدل من (صراط) منصوب بتقدير فعل محذوف (أعني ديناً أو لزمنا ديناً)، أو منصوب على نزع الخافض (إلى دين).
{قِيَمًا}: نعت لـ (ديناً) منصوب بالفتحة.
{مِّلَّةَ}: بدل من (ديناً) منصوب بالفتحة، وهو مضاف.
{إِبْرَاهِيمَ}: مضاف إليه مجرور بالفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة.
{حَنِيفًا}: حال منصوبة من (إبراهيم) وعلامة نصبه الفتحة.
{وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}: الواو حالية أو استئنافية، ما نافية، كان ناقصة واسمها مستتر يعود على إبراهيم، ومن المشركين متعلق بمحذوف خبر كان.
القراءات المتواترة والتوجيه:
قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي: {دِينًا قِيَمًا} بكسر القاف وفتح الياء وتخفيفها؛ مصدراً وُصف به للمبالغة كـ (صِغَر وكِبَر).
وقرأ ابن عامر وأهل الشام: {دِينًا قَيِّمًا} بفتح القاف وتشديد الياء المكسورة؛ صفة مشبهة كـ (سَيِّد وهَيِّن). وكلاهما يدلان على الاستقامة والثبات والكمال.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية وإعلان الهوية العقدية المستقلة: في خواتيم سورة الأنعام، وبعد جولات كبرى من مجادلة المشركين ودحض أصنامهم، يأتي هذا الأمر الرباني الحاسم للرسول صلى الله عليه وسلم ليعلن البراءة التامة، وينصب راية الهداية شامخة: قل لهم بلسان الواثق المستبصر: إن ربي هداني إلى الصراط المستقيم، وهو هذا الدين القويم ملة أبي الأنبياء إبراهيم، فلا أتبع أهواءكم ولا شركياتكم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
إبطال دعوى المشركين في الانتساب لإبراهيم عليه السلام:
كانت قريش ومشركو العرب يفتخرون بأنهم بنو إسماعيل وإبراهيم وحماة بيت إبراهيم، فكشف القرآن كذب هذا الانتساب؛ لأن ملة إبراهيم قائمة على التوحيد الخالص والبراءة المطلقة من الأوثان، والمشركون عبدوا الأصنام وذبحوا لها وحرموا البحائر؛ فكان النبي محمد صلى الله عليه وسلم والمؤمنون معه هم الأحق بإبراهيم وملته الحنيفية {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا}.