أخرج الطبري في "جامع البيان" (12/ 14)جامع البيانالطبري١٢/١٤ بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ}: "أي لتميل إليه قلوب الكفار، {وَلِيَرْضَوْهُ} أي ليحبوه ويستحسنوه، {وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ} أي: وليعملوا ما هم عاملون من المعاصي والآثام".
قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (3/ 323)مصدر غير محدد٣/٣٢٣: "{وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ} أي: ولتميل إليه قلوب الذين لا يؤمنون بالمعاد والجزاء والحساب، وإنما تصغى إليه قلوبهم لأنهم لا عقول لهم صحيحة تميز الحق من الباطل، بخلاف المؤمنين الذين رزقهم الله البصيرة والإيمان بالآخرة فإنهم ينفرون من هذا الزخرف الباطل ويكشفون عواره، {وَلِيَرْضَوْهُ} أي: وليستحسنوه بعد ميل قلوبهم إليه، {وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ} أي: وليكتسبوا من الأعمال السيئة ما هم مكتسبون؛ فالذنب يجر إلى الذنب حتى يهلكوا".
قال السعدي في "تفسيره" (ص 268)مصدر غير محدد٢٦٨: "هذه الآية تبين أسباب استجابة أهل الباطل لدعاة الضلال؛ وهو خلو قلوبهم من الإيمان بالآخرة، فإذا خلا القلب من خوف الله ورجاء ثوابه، مال إلى كل زخرف خادع".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
(تَصْغَى): الصَّغْو هو الميل والانحدار؛ يقال: صَغَت الشمس إذا مالت للغروب، وصغت الناقة إذا أمالت سمعها، وصغت القلوب إذا مالت وهوت.
(يَقْتَرِفُوا): الاقْتِرَاف هو الاكتساب والعمل؛ ويُستعمل غالباً في اكتساب السيئات والذنوب والجرائم؛ يقال: اقترف ذنباً إذا ركبه وتلبس به.
الإعراب والتركيب:
{وَلِتَصْغَى}: الواو عاطفة على علة مقدرة أو متعلقة بـ (يوحي) أو (جعلنا)، واللام لام العاقبة والتعليل؛ تصغى فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على الألف للتعذر.
{إِلَيْهِ}: جار ومجرور متعلق بـ (تصغى)، والضمير يعود على زخرف القول.
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة.
{لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ}: لا نافية، يؤمنون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، بالآخرة جار ومجرور متعلق بـ (يؤمنون)، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{وَلِيَرْضَوْهُ}: الواو عاطفة، اللام للتعليل، يرضوه فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعل، والهاء مفعول به.
{وَلِيَقْتَرِفُوا}: عاطفة، وإعرابها كسابقتها.
{مَا}: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به لـ (يقترفوا).
{هُم}: ضمير منفصل مبتدأ.
{مُّقْتَرِفُونَ}: خبر المبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، والعائد محذوف (أي: هم مقترفوه)، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية وتناسبها النفسي والاجتماعي: بعد أن بيّن الله تعالى في الآية السابقة طبيعة الخطاب التضليلي الشيطاني (زخرف القول)، بيّن في هذه الآية شريحة المتلقين المستهدفين الذين ينطلي عليهم هذا التضليل؛ وهم فاقدو الإيمان بالآخرة، ورسم المسار النفسي والسلوكي الحتمي الذي يمر به الضحية: (أولاً: الميل القلبي والانخداع ولتصغى، ثانياً: الرضا العقلي والاستحسان وليرضوه، ثالثاً: التحول إلى الممارسة والعدوان العملي وليقترفوا ما هم مقترفون).
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
جعل الله سبحانه فقدان الإيمان بالآخرة هو الباعث والأساس للانخداع بزخرف القول؛ وذلك لأن الإيمان بالآخرة يمنح العقل ميزاناً أخلاقياً أبدياً يحاكم به كل ما يُعرض عليه في الدنيا، فإذا فُقد هذا الميزان، صار مقياس الإنسان محصوراً في اللذة العاجلة والشهوة الحاضرة، فيميل فوراً إلى كل فكر يبرر له شهواته ويحل له محرماته وإن كان في غاية السخف والبطلان.
الترتيب السيكولوجي الدقيق: صغى (انفعال وميل) -> رضي (قناعة وقبول) -> اقترف (سلوك وتطبيق)؛ وهو تسلسل حتمي في التأثير النفسي للإعلام الفاسد والدعايات المضللة.
التعبير بـ (الْأَفْئِدَةِ) دون الأسماع: في قوله {وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ}؛ للإشعار بأن الإصغاء لم يكن مجرد سماع بالأذن العابرة، بل كان انصباباً قلبياً وهوىً باطنياً استقر في أعماق نفوسهم.
الجناس والاشتقاق في قوله {وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ}: تأكيد وتحقير لما يفعلونه من الجرائم وتصوير لتمكنهم من الإثم.
اللطائف الإشارية والتدبرية:
من أراد حماية قلبه وبصيرته من شبهات أهل الباطل وأراجيفهم، فليعمق يقينه باليوم الآخر؛ فإن تذكر الوقوف بين يدي الله أعظم درع يقذفه الله في القلب ضد زخارف القول.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التربية الفكرية والأخلاقية:
تحذير المسلم من الاستماع المستمر للشبهات والباطل المزوق؛ لأن كثرة الإصغاء تولد الميل، والميل يولد الرضا، والرضا يولد الاقتراف؛ فالوقاية تبدأ بغلق منافذ التلقي الفاسد.
الوعي الاجتماعي والسياسي:
إدراك صناعة الرأي العام الزائف؛ فقوى الضلال تستخدم بريق الألفاظ لتحويل الجريمة إلى حق مشروع، والواجب فضح هذا الزخرف وتعريته بالحق المبين.