تفسير الآثار في طلب نزول الملك وحتمية الهلاك إن نزل:
أخرج الطبري (ج ١١، ص ٢٩٨-٣٠٤)مصدر غير محدد١١/٢٩٨ وابن أبي حاتم وابن كثير عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: «قال مشركو قريش: هلا أنزل الله مع محمد ملكاً يراه الناس عياناً يشهد بصدقه ونراه ونكلمه؟! فرد الله عليهم بحكمته ورحمته: {وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ}؛ أي لو أنزلنا ملكاً على صورته الملكية النورانية فرأوه ثم كفروا ولم يؤمنوا فوراً، لقضي الأمر بهلاكهم واستئصالهم بالعذاب العاجل دون تأخير ولا إنظار؛ لأن سنة الله في الأمم أن الآية العيانية إذا نزلت ثم لم يؤمنوا أُهلكوا في الحال؛ فكان عدم إنزال الملك رحمة بهم وإبقاءً على مهلتهم».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
لَوْلَا
حرف تحضيض واقتراح يتضمن الإنكار؛ أي هلا أُنزل.
مَلَكٌ
مخلوق نوراني عظيم من ملائكة السماء.
لَّقُضِيَ الْأَمْرُ
فُرغ من عذابهم وهلاكهم وحُسمت قضيتهم بالإبادة التامة.
لَا يُنظَرُونَ
لا يُؤخرون ولا يُمهلون ولا يُعطون نظرة للتوبة والرجوع طرفة عين.
وَقَالُوا
الواو عاطفة، قالوا ماضٍ والواو فاعل.
لَوْلَا
حرف تحضيض.
أُنزِلَ
ماضٍ مبني للمجهول.
عَلَيْهِ
متعلق بأنزل.
مَلَكٌ
نائب فاعل مرفوع بالضمة، والجملة مقول القول.
وَلَوْ
الواو استئنافية، لو شرطية امتناعية.
أَنزَلْنَا
ماضٍ وفاعله نا.
مَلَكًا
مفعول به لأنزلنا منصوب بالفتحة.
لَّقُضِيَ
اللام واقعة في جواب لو، قضي ماضٍ مبني للمجهول مبني على الفتح.
الْأَمْرُ
نائب فاعل مرفوع بالضمة، والجملة جواب لو لا محل لها.
ثُمَّ
حرف عطف للتراخي الرتبي والتهويل.
لَا يُنظَرُونَ
لا نافية، ينظرون مضارع مبني للمجهول مرفوع بثبوت النون والواو نائب فاعل، والجملة معطوفة على جملة لقضي الأمر.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
بيان الحكمة الإلهية في حجب الآيات القاصمة رحمة بالعباد:
رد معجز على اقتراح ثانٍ من مقترحات الجهل الوثني؛ اقترحوا أولاً كتاباً قراطيسياً فكشف أنهم لن يؤمنوا به، واقترحوا هنا نزول ملك ظاهري يشهد للنبي؛ فكشف لهم سبحانه عن عظيم رحمته الخفية بهم: أنتم تطلبون الملك زاعمين أنه وسيلة للإيمان، ونحن نعلم أنكم لن تؤمنوا حتى لو نزل الملك؛ ونزول الملك مع كفركم يستوجب استئصالكم التام الفوري بمقتضى العدل الإلهي؛ فكان إمساك نزول الملك إنقاذاً لأعماركم وإمهالاً لذرياتكم لتسلم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
سنة الله في نزول الملائكة ومفهوم {لَّقُضِيَ الْأَمْرُ}:
تدل الآية على قاعدة قطعية في سنن الوحي والكون: الملائكة لا تنزل عياناً على صورتها إلا للأمر الحاسم والهلاك؛ قال تعالى في الحجر: {مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُّنظَرِينَ}؛ فرؤية الملائكة عياناً تعني انقطاع دار التكليف والغيب والانتقال إلى دار المعاينة والجزاء؛ وحينئذ يبطل الإيمان بالغيب ولا يقبل من كافر توبة.
البناء للمجهول في {لَّقُضِيَ الْأَمْرُ} و{لَا يُنظَرُونَ}: إيجاز بحذف الفاعل لتهويل الحدث وإبراز سرعة إمضاء الهلاك؛ فكأن القضاء والإبادة تقع بذاتها بمجرد الأمر دون أدنى مدافعة.
التنكير في {مَلَكًا}: يفيد أن أي ملك، صغيراً كان أو كبيراً، لو أُنزل لحسم أمرهم وانتهت مهلتهم في الحياة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
إدراك كمال حكمة الله ورحمته في تدبير الأمور، وأن منع بعض المطالب قد يكون عين العطاء والنجاة.
تعظيم الإيمان بالغيب، فالفضل والكرامة في الإيمان ببرهان الوحي دون اشتراط المعاينة القسرية للملائكة.