أخرج الإمام الطبري في "جامع البيان" (12/ 87)جامع البيانالطبري١٢/٨٧ بسنده عن قتادة ومجاهد في قوله تعالى: {قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ}: "هذا وعيد شديد وتهديد قاطع من الله تبارك وتعالى لأعدائه؛ يقول لنبيه: قل لهؤلاء المشركين: اعملوا على غايتكم وحالكم وطريقتكم التي رضيتموها لأنفسكم من الكفر والتكذيب والمكر، إني عامل على طريقتي وأمري الذي أمرني به ربي من التوحيد والبلاغ والجهاد، فسوف تعلمون عند معاينة الحق ونزول النصر في الدنيا والعذاب في الآخرة من تكون له العاقبة الحميدة والنصر والظفر".
قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (3/ 341)مصدر غير محدد٣/٣٤١: "هذا أمر من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول لمشركي قومه المعاندين على وجه التهديد والإنذار: {اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ} أي: على طريقتكم ومنهجكم إن كنتم تظنون أنكم على هدى، {إِنِّي عَامِلٌ} على منهاجي وطريقتي وشرع ربي، {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ} أي: النصرة والتأييد والظفر في الدنيا والجنة والكرامة في الآخرة، كما أنجز الله لرسوله وعده ففتح له مكة، ومكن له في جزيرة العرب، وأظهر دينه على سائر الأديان، {إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} أي: لا يفوز من ظلم وشرك وبغى، لا في دنياه ولا في أخراه".
قال الشنقيطي في "أضواء البيان" (2/ 192)أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآنالشنقيطي٢/١٩٢: "صيغة الأمر في قوله {اعْمَلُوا} ليست للإباحة ولا للإذن، بل هي صيغة تهديد ووعيد بالاتفاق؛ كقوله تعالى: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
(مَكَانَتِكُمْ): المَكَانَة هي الحالة والمنزلة والتمكن من الشيء والطريقة التي يستقر عليها الإنسان؛ يقال: فلان يعمل على مكانته إذا عمل على طريقته وتمكنه وإمكانه الذي لا يتجاوزه.
(عَاقِبَةُ): آخر الشيء وخاتمته ومآله ومنتهاه؛ والمراد عاقبة الدار المحمودة؛ وهي النصر في الدنيا والفوز بالجنة في الآخرة.
(يُفْلِحُ): من الفَلَاح، وهو الظفر بالمطلوب والنجاة من المرهوب والبقاء في النعيم المقيم.
الإعراب والتركيب:
{قُلْ}: فعل أمر مبني على السكون، والفاعل مستتر وجوباً تقديره أنت.
{يَا قَوْمِ}: يا أداة نداء، (قوم) منادى مضاف منصوب وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، والكسرة دليل عليها.
{اعْمَلُوا}: فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل، والجملة مقول القول.
{عَلَى مَكَانَتِكُمْ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال (أي: اعملوا مستقرين على حالتكم وطريقتكم)، والكاف مضاف إليه.
{فَسَوْفَ}: الفاء فصيحة أو عاطفة، سوف حرف استقبال يدل على التهديد والتنفيس.
{تَعْلَمُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل.
{مَن}: اسم استفهام في محل رفع مبتدأ، وجملة (تكون) خبره، والجملة الاستفهامية علقت (تعلمون) عن العمل وسدت مسد مفعوليه؛ أو (من) اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به لـ (تعلمون).
{تَكُونُ}: فعل مضارع ناقص مرفوع.
{لَهُ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر (تكون) مقدم.
{عَاقِبَةُ}: اسم (تكون) مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة.
{الدَّارِ}: مضاف إليه مجرور.
{إِنَّهُ}: إنّ واسمها (ضمير الشأن مبني في محل نصب).
{لَا يُفْلِحُ}: لا نافية، يفلح مضارع مرفوع.
{الظَّالِمُونَ}: فاعل مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ).
القراءات المتواترة والتوجيه:
قرأ الجمهور وحفص: {عَلَى مَكَانَتِكُمْ} بالإفراد، وقرأ شعبة عن عاصم: {عَلَى مَكَانَاتِكُمْ} بالجمع؛ وكلاهما يفيد تمكنهم وتنوع طرائقهم وأحوالهم التي ركبوا فيها الباطل.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية وختام المقطع الصارم: تختم هذه الآية المباركة هذا الشوط العظيم من سورة الأنعام (من الآية 111 إلى 135) بإعلان المفاصلة التامة والتحدي الرسالي الحاسم؛ فبعد أن فُصّلت الآيات، وقامت الحجج، وتبيّن الصراط المستقيم من سبل الظلمات، وحُذّر الإنس والجن من مكرهم، قال الرسول صلى الله عليه وسلم لأعدائه: انتهت المساومات؛ فالتمسوا ما شئتم واعملوا على طريقتكم، وإني ماضٍ في طريق ربي، والمستقبل القريب والبعيد كفيل بإظهار لمن تكون العاقبة الحميدة؛ وحكم الله الفصل أن الظالمين لا يفلحون أبداً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حقيقة المفاصلة وقانون العاقبة التاريخية:
الآية تؤسس لقانون قرآني يقيني: "حتمية انتصار الحق وعاقبة الدار للمتقين"؛ فالصراع مهما طال، ومهما ملك المبطلون من مكر وأكابر ومكر السنين، فإن الفلاح ممتنع عليهم بنص حكم الله الصارم {إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ}. والظلم يحمل في جيناته بذور فنائه وهلاكه، بينما الإيمان والعدل يحملان بذور البقاء والتمكين.
تفسير الأمر بـ {اعْمَلُوا}:
صيغة الأمر هنا للتهديد والتعجيز كقوله: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ}، وليس إذناً بالمعصية؛ بل المعنى: استفرغوا وسعكم وما عندكم من كيد ومكر فلن يضر ذلك الحق شيئاً ولن يغير من مصيركم المحتوم.