تفصيل آيات النبات والأثمار والينع في مأثور التفسير:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (ج ١١، ص ٥٧٧)جامع البيانالطبري١١/٥٧٧ وابن أبي حاتم عن عبد الله بن عباس ومجاهد وقتادة والسدي في قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ}: «الماء هو المطر؛ أخرج الله به نبات كل صنف مما يقتات به الناس والأنعام؛ {فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا} أي زرعاً أخضر غضاً رطباً، {نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا} كالسنبل يركب بعضه بعضاً كالحنطة والشعير؛ {وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ} قنوان: عراجين التمر وعذوقه، دانية: قريبة المتناول سهلة الجنى يتناولها القائم والقاعد؛ {وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ} متشابهاً في الورق والمرأى، ومختلفاً في الطعم والرائحة والثمر؛ {انظُرُوا إِلَىٰ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ} ينعه: أي نضجه واستوائه وإدراكه وطيبه؛ {إِنَّ فِي ذَٰلِكُمْ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}».
وذكر ابن كثير في "تفسيره" (ج ٣، ص ٣٢٥)مصدر غير محدد٣/٣٢٥: «هذه لوحة حية باهرة تعرض أعظم دلائل الحياة النباتية؛ الماء النازل من السماء، وتفجر الخضرة، وتراكب الحبوب في السنابل، وتدلي قنوان النخيل، وبساتين الأعناب والزيتون والرمان المتشابه في الشجر والمختلف في الطعم؛ لتشهد العقول بأنه من صنع صانع حكيم لطيف رحيم».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات والدلالات:
{خَضِرًا}: نباتاً غضاً أخضر رطباً تتفرع منه السنابل والثمار.
{حَبًّا مُّتَرَاكِبًا}: الحبوب المتراصفة المنضدة بعضها فوق بعض في السنبلة بحساب ونظام بديع كالحنطة.
{طَلْعِهَا}: أول ما يخرج من كافور النخلة كالكوز ينشق عن القنوان.
{قِنْوَانٌ}: جمع قِنْو وهو عذق النخلة الحامل للرطب؛ يستوي فيه المفرد والجمع كصنوان.
{دَانِيَةٌ}: قريبة سهلة التناول ينالها الصغير والكبير لقرب عناقيدها وتدليها.
{وَيَنْعِهِ}: نضجه وطيبه وبلوغه غاية حلاوته واستوائه؛ من ينعت الثمرة إذا أينعت وطابت.
القراءات المتواترة في {انظُرُوا إِلَىٰ ثَمَرِهِ... وَيَنْعِهِ}:
قمة الجمال البياني؛ ينتقل من سعة الفلك والأنفس إلى بهجة الحدائق والغيطان؛ يعرض شريط الحياة النباتية من أول قطرة ماء تنزل من السحاب، مروراً بتفجر البراعم الخضراء، وتراصف الحبوب في السنابل بدقة هندسية، وتدلي عراجين النخل دانية للقطاف، وبساتين الأعناب والزيتون والرمان التي تشترك في التربة والماء وتختلف في الطعوم والألوان؛ ثم يأمر بالنظر المتبصر في أطوار الثمر من خروجه غضاً حامضاً إلى ينعه ونضجه حلواً لذيذاً؛ ليدرك المؤمن أن هذه المعجزة دليل قطعي على رب رحيم ودود رازق.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دلالة "اختلاف الطعوم مع وحدة الماء والتربة" على الفاعل المختار:
الآية عمدة عقلية قاطعة في إبطال مذاهب الطبائعيين والماديين؛ فالشجر ينبت في بقعة واحدة من الأرض، ويُسقى بماء واحد، ويتعرض لشمس واحدة وهواء واحد، ومع ذلك تخرج هذه النخلة رطباً حلواً، وبجانبها حبة الرمان حامضة أو حلوة، وشجرة الزيتون دسمة زيتية، وحبات العنب متباينة؛ فلو كانت الطبيعة هي الفاعلة لكان الناتج واحداً لتشابه المدخلات؛ فاختلاف النتائج والطعوم والروائح والألوان دليل قاطع على أن المؤثر هو الفاعل المختار الحكيم سبحانه: {يُسْقَىٰ بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}.
الالتفات البديع من الغيبة إلى التكلم بنون العظمة في {فَأَخْرَجْنَا}: بعد قوله {أَنزَلَ}؛ لإبراز المباشرة والاعتناء الإلهي العظيم بعملية إنبات الزرع وإخراجه إكراماً للعباد.
التذييل بـ {لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}: لأن المؤمنين هم الذين يربطون بين المشهد المحسوس وبين صانعه الأعلى فيورثهم ذلك إيماناً وخشوعاً وشكراً للمنعم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحويل النظر إلى الطبيعة والثمار والأشجار من مجرد التلذذ الحسي الاستهلاكي إلى عبادة تفكر وتوحيد وشكر للمنعم.
دوام شكر نعمة الغذاء والماء، والاعتراف بفضل الله الذي جعل الثمار دانية سائغة ميسرة لعباده.