حقيقة الدنيا وزوالها وفضل الآخرة للمتقين في الأثر:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (ج ١١، ص ٣٤٣)جامع البيانالطبري١١/٣٤٣ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد في قوله تعالى: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ}: «أي لعب لا حقيقة لبقائه، ولهو تلهو به الأنفس ساعة ثم يزول ويضمحل، فليست بشيء يُعتد به إلا ما كان منها لله وللدار الآخرة».
وفي "صحيح مسلم" (رقم ٢٩٥٦)صحيح مسلممسلمحديث رقم ٢٩٥٦ عن المستورد بن شداد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه هذه في اليم، فلينظر بم ترجع!».
وروى الطبري عن الحسن البصري في قوله: {وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}: «خير لأهل التقوى الذين اتقوا الشرك والمعاصي؛ لأن نعيم الآخرة باقٍ لا ينفد ولا ينقطع ولا يشوبه كدر، أفلا تعقلون فتميزون بين الفاني الحقير والباقي الجليل؟!».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات والدلالات:
{لَعِبٌ}: كل عمل لا طائل تحته ولا غاية حميدة تثمر نفعاً دائماً، كالذي يفعله الصبيان.
{وَلَهْوٌ}: كل ما يشغل الإنسان عما يعنيه ويهمه من معالي الأمور ومصالح معاده.
{وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ}: اللام لام الابتداء للتوكيد، والدار الآخرة هي دار القرار والخلود والنعيم المقيم.
{يَتَّقُونَ}: يتخذون بطاعة الله وقاية من سخطه وعقابه، بترك الشرك والذنوب.
{أَفَلَا تَعْقِلُونَ}: العقل هو القوة المدركة المانعة للإنسان من ارتكاب القبائح وإيثار الخسيس على النفيس.
القراءات المتواترة في الآية:
قرأ ابن عامر: {وَلَدَارُ الْآخِرَةِ} بلام واحدة مخففة وإضافة دار إلى الآخرة؛ على إضافة الموصوف إلى صفته (كقولهم: مسجد الجامع).
وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي وأبو جعفر ويعقوب وخلف: {وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ} بلامين الأولى لام الابتداء المفتوحة والثانية لام التعريف المدغمة في الدال، ورفع الدار، ونعت الآخرة لها بالرفع.
وقرأ نافع وابن عامر وحفص وأبو جعفر ويعقوب: {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} بتاء الخطاب، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وشعبة وحمزة والكسائي: {أَفَلَا يَعْقِلُونَ} بياء الغيبة.
الإعراب والتركيب:
{وَمَا}: الواو استئنافية، ما نافية لا عمل لها.
{الْحَيَاةُ}: مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
{الدُّنْيَا}: نعت للحياة مرفوع بضمة مقدرة على الألف.
{إِلَّا}: أداة حصر ملغاة.
{لَعِبٌ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة.
{وَلَهْوٌ}: معطوف على لعب مرفوع بالضمة.
{وَلَلدَّارُ}: الواو عاطفة أو حالية، اللام لام الابتداء للتوكيد، الدار مبتدأ مرفوع بالضمة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الموازنة العقلية الفاصلة بين متاع الغرور ودار القرار:
بعد أن فضح حسرة المكذبين وتفريطهم في جنب الله وانخداعهم ببريق الدنيا، قرر هنا حقيقة الوجود بميزان عقلي قاطع لا يقبل الجدل؛ فوصف الدنيا بأنها لا تعدو أن تكون لعباً ولهواً ينقضي سريعاً كلمح البصر، بينما الآخرة هي الدار الحقيقية الباقية ذات النعيم الذي لا ينفد؛ ثم استثار العقول بالتوبيخ: {أَفَلَا تَعْقِلُونَ}؛ فمن كان له أدنى مسكة من عقل آثر الباقي على الفاني.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
تحقيق المراد بكون الدنيا لعباً ولهواً ودفع شبهة تعطيل السعي والإعمار:
قد يظن جاهل أن الآية تدعو إلى ترك العمل وعمارة الأرض والانقطاع التام عن النشاط البشري!
والتحقيق الشرعي الرصين (كما قرره ابن القيم في "عدة الصابرين" ص ١٨٥، والشاطبي في "الموافقات"):
أن الدنيا المذمومة هي تلك التي تُبتغى لذاتها وتصير غاية للإنسان تشغله عن ربه ودينه ومعاده، فهذه لعب ولهو لا ثمرة لها إلا الخسران.
أما الأعمال الدنيوية الصالحة من كسب حلال، وعمارة للأرض بالعدل، ونصرة للحق، وصلة للأرحام، وإعانة للضعفاء، فهي من زاد الآخرة وليست من اللهو في شيء، بل هي عبادة وقربة مقصودة؛ فالمذموم هو الاستغراق في شهوات الدنيا والغفلة عن الآخرة.