أخرج ابن جرير الطبري (ج ١١، ص ٢٩٢)مصدر غير محدد١١/٢٩٢ عن السدي في قوله: {قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ}: «يقول: قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يدعونك إلى عبادة آلهتهم: إني أخاف إن عصيت ربي بعبادة غيره وإجابتكم إلى ما تدعونني إليه عذاب يوم القيامة، وهو اليوم العظيم الذي يشيب فيه الصغير».
وذكر ابن كثير في "تفسيره" (ج ٣، ص ٢٤٨)مصدر غير محدد٣/٢٤٨: «أي: يوم القيامة، وهذا من باب التعريض بغيره؛ أي إذا كان هذا شأن النبي المعصوم المؤيد بالوحي أنه يخاف عذاب الله إن عصاه، فكيف بغيره من المكذبين المشركين الضالين؟!».
وقال القرطبي في "تفسيره" (ج ٦، ص ٣٩٤)مصدر غير محدد٦/٣٩٤: «فيه إشعار بأن العبادة لا تصح إلا بالخوف والرجاء، وأن أعظم المعاصي الشرك بالله، وأن الرسل عليهم السلام هم أشد الناس خشية لله ومراقبة له».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
أَخَافُ
الخوف توقع مكروه عن أمارة مظنونة أو معلومة؛ وهو هنا خوف إجلال ورهبة مقرون بالعلم واليقين.
عَصَيْتُ
العصيان الخروج عن طاعة الأمر ومخالفة الشرع؛ وأعظم العصيان الشرك بالله ومداهنة المشركين.
يَوْمٍ عَظِيمٍ
يوم القيامة؛ ووصف بالعظيم لأهواله وشدائده ومحاكماته الخالدة.
فعل ماضٍ مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعل.
رَبِّي
مفعول به منصوب بفتحة مقدرة والياء مضاف إليه.
عَذَابَ
مفعول به لـ أخاف منصوب بالفتحة وهو مضاف.
يَوْمٍ
مضاف إليه مجرور وهو مضاف.
عَظِيمٍ
نعت ليوم مجرور بالكسرة؛ وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله؛ أي إن عصيت ربي عذبني.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تأكيد المفاصلة العقدية ببيان الخوف من عذاب الآخرة:
لما أمره في الآية السابقة بالثبات على التوحيد ونهاه عن الشرك: {وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}، عقّب هنا ببيان الباعث والمانع الحاسم من موافقتهم؛ وهو الخوف الجازم من عذاب ذلك اليوم الرهيب؛ فلا يملك أحد أن يحميه من الله إن عصاه، فكيف يطلبون منه أن يترك عبادة الفاطر ويركن إلى عبادتهم؟!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق دلالة الخوف النبوي مع ثبوت العصمة المطلقة:
قد يورد الملاحدة أو المشككون شبهة: إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم معصوماً ومغفوراً له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فما معنى قوله: {إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي}؟
والجواب الحاسم من وجهين:
أن الشرط لا يلزم منه وقوع المشروط؛ فالشرط معلق على أمر محال الوقوع شرعاً وعصمة، كقوله تعالى: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ}، لبيان عظم خطر الشرك وأن لا محاباة فيه لأحد حتى لو كان سيد الخلق.
أن كمال العصمة إنما ينشأ من كمال الخوف والخشية والمراقبة القلبية؛ فالأنبياء عليهم السلام أعرف الخلق بجلال الله وبطشه وعدله، ومن كان بالله أعرف كان له أخوف وأتقى.
إضافة الرب إلى ياء المتكلم {رَبِّي}: إشعار برابطة التربية والإنعام والإحسان؛ فالعصيان بعد توالي أفضال الربوبية ونعيمها أقبح في العقل وأشد استجلاباً للحياء والخشية.
التنكير في {عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ}: للتهويل وتفخيم الشأن؛ لعجز العقول والعبارات عن الإحاطة بكنه ذلك اليوم وهوله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
ترسيخ مقام الخوف والوجل في قلب العبد، وإدراك أن النجاة لا تنال بالأماني، بل بخشية الله ومراقبته.
الصدع بالحق ورفض مساومة أهل الباطل على الثوابت العقدية، وإعلان الخوف من غضب الله وعقابه فوق كل خوف من بطش البشر.