سبب النزول وسياق تعنت كفار قريش في طلب كتاب من السماء:
أخرج الطبري (ج ١١، ص ٢٩٣-٢٩٧)مصدر غير محدد١١/٢٩٣ وابن أبي حاتم وابن إسحاق عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: «قال النضر بن الحارث، وعبد الله بن أبي أمية، ونفر من قريش للنبي صلى الله عليه وسلم: لن نؤمن بك حتى تنزل علينا من السماء كتاباً نقرؤه، فيه: من رب العالمين إلى النضر بن الحارث وأصحابه أن آمنوا بمحمد؛ ومعه أربعة من الملائكة يشهدون أنه من عند الله! فأنزل الله تعالى كاشفاً رسوخ عنادهم: {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ}».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
قِرْطَاسٍ
الصحيفة التي يُكتب فيها، من ورق أو جلد.
فَلَمَسُوهُ
اللمس باليد وهو أقوى حواس التحقق ودفع الشكوك والأوهام البصرية.
سِحْرٌ مُّبِينٌ
سحر ظاهر واضح خُيل به إلى أعيننا وأيدينا.
وَلَوْ
الواو استئنافية، لو شرطية امتناعية تفيد امتناع الجواب لامتناع الشرط.
نَزَّلْنَا
ماضٍ وفاعله نا.
عَلَيْكَ
متعلق بنزلنا.
كِتَابًا
مفعول به منصوب بالفتحة.
فِي قِرْطَاسٍ
متعلق بمحذوف نعت لكتاباً.
فَلَمَسُوهُ
الفاء عاطفة، لمسوه ماضٍ والواو فاعل والهاء مفعول به، والجملة معطوفة على فعل الشرط.
نعت لسحر مرفوع بالضمة، والجملة مقول القول؛ وجملة لقال جواب الشرط لا محل لها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
فضح العقم العقلي والمكابرة الحسية المستحكمة لدى المشركين:
إفحام نفسي ومعرفي قاطع؛ بعد أن أخبرهم في الآية ٤ بإعراضهم عن الآيات، وذكرهم في الآية ٦ بمصارع القرون، رد هنا على اقتراحهم المتعنت بنزول كتاب مادي؛ فبيّن سبحانه أن المشكلة ليست في وسيلة الإبلاغ؛ فلو نزل كتاب حقيقي مكتوب في صحيفة مجسمة، ورأوه بأعينهم ولمسوه بأصابعهم وتحسسوه بأيديهم حتى زال كل احتمال للخيال البصري، لما آمنوا أيضاً! بل لقالوا بمكابرة وقحة: هذا سحر سُحرت به أعيننا وأيدينا! فالعلة في موت الضمير لا في نقص الآية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق دلالة {فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ} في سد منافذ الشك ودفع المغالطة السفسطائية:
الرؤية البصرية قد يدخلها الوهم والخداع البصري (كعوارض السراب وخفة اليد)، أما اللمس باليد فهو أعلى المدارك الحسية في إثبات وجود الأجسام وكثافتها؛ فلما ذكر الله اجتماع الرؤية واللمس باليد مع بقاء كفرهم وتسميتهم له سحراً، دل ذلك على أنهم بلغوا الغاية القصوى من "السفسطة العقلية وإنكار البديهيات الحسية"؛ ومن كان هذا حاله استحال إقناعه ببرهان.
ذكر اليد مع اللمس {فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ}: للتأكيد الحسي ونفي المجاز؛ لأن اللمس قد يطلق مجازاً على الطلب أو المقاربة، فقوله "بأيديهم" نص قاطع في المباشرة الجسدية التي تقطع كل توهم.
الحصر بـ {إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ}: إبراز لهروبهم الجاهز إلى الحيلة النفسية المعتادة بتعليق كل عجز فكري على مشجب "السحر".
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
إدراك طبيعة العناد البشري، وأن الجاحد لا يزيده وضوح الحق إلا مكابرة وجدلاً.
عدم الاستجابة لاقتراحات المشككين وشروطهم المتعنتة، والاكتفاء بالقرآن العظيم كحجة عقلية وإعجازية خالدة.