مفاجأة العذاب بالليل أو النهار وعدالة الهلاك في الأثر:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (ج ١١، ص ٣٩١)جامع البيانالطبري١١/٣٩١ وابن أبي حاتم عن عبد الله بن عباس والحسن البصري وقتادة في قوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً}: «بغتة: أي ليلاً وهم نائمون غافلون لم يشعروا به، أو جهرة: أي نهاراً وهم يعاينونه عياناً؛ {هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ} أي هل ينزل الهلاك والاستئصال إلا بمن ظلم نفسه بالشرك والتكذيب؟! أما أهل الإيمان والتقوى فهم في أمن وسلام ونجاة».
وروى الطبري عن السدي: «بغتة: فجأة لا يدركون أوائله، أو جهرة: ظاهراً يعاينونه بأعينهم قبل أن يحل بهم؛ ففي كلتا الحالتين لا يهلك الله إلا المشركين الظالمين».
وذكر ابن كثير (ج ٣، ص ٢٧٣)مصدر غير محدد٣/٢٧٣: «أي إن عذاب الله إذا نزل فجأة بالليل أو عياناً بالنهار، فإنما يحيق بأهل الظلم والعدوان، وينجي الله برحمته رسله وأولياءه المؤمنين؛ كما قال: {ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا ۚ كَذَٰلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ الْمُؤْمِنِينَ}».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بَغْتَةً
فجأة على غير ترقب ولا إشعار، وغالباً ما يقع ليلاً في حال الغفلة والنوم.
جَهْرَةً
عياناً مكشوفاً في وضح النهار يراه الناس بأبصارهم ويتوقعون نزوله.
هَلْ يُهْلَكُ
استفهام نفي وإنكار؛ أي ما يهلك عند نزول عذاب الاستئصال إلا الظالمون.
نعت للقوم مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، والجملة سدت مسد مفعولي أرأيتكم، وجواب الشرط محذوف دل عليه الاستفهام.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إحكام دائرة الإنذار وإبراز العدل الإلهي في الهلاك:
تدرج حجاجي صارم؛ فبعد أن أقام عليهم الحجة بسلب الجوارح، أوقفهم هنا أمام احتمالات نزول العذاب العام المستأصل؛ سواء جاءهم بغتة ليلاً وهم نيام، أو جهرة نهاراً وهم مبصرون؛ ففي كلا الحالين لن يملكوا دفعاً، ولكن الهلاك لن يصيب إلا مستحقيه من الظالمين؛ فكان التذكير محفزاً للفرار من الظلم والولوج في حصن الإيمان الآمن.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق مسألة عموم العقوبة ومصير غير الظالمين عند نزول العذاب:
كيف يوفق بين حصر الهلاك في الظالمين هنا: {هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ}، وبين الحديث الصحيح: «إذا أنزل الله بقوم عذاباً أصاب العذاب من كان فيهم، ثم بُعثوا على نياتهم»؟!
والتحقيق الجمعي الرصين (النووي وابن تيمية):
أن الهلاك المذكور في الآية هو "هلاك الخزي والنكال والعذاب الأخروي المستأصل"، وهذا خاص بالظالمين والمشركين قطعاً ولا ينال مؤمناً قط؛ فالمؤمن محفوظ من العذاب الخاص بالظالمين.
أما الموت والمصائب الدنيوية العامة التي قد تصيب الصالحين مع الطالحين عند نزول البلاء (كالزلازل والأوبئة) فهي تمحيص وشهادة وأجر للمؤمن، ودمار وخزي للظالم، ثم يبعث كل عبد على نيته وعمله؛ فالعدالة الإلهية قائمة لا يعتريها خلل.
المقابلة بين {بَغْتَةً} و {جَهْرَةً}: استيعاب لحالات مجيء البلاء ومفاجآت القدر؛ فالعذاب لا يخرج عن كونه ليلياً فجائياً أو نهارياً مشاهداً، وكلاهما مرعب تقصر عنه طاقة البشر.
أسلوب الحصر والقصر بـ {هَلْ... إِلَّا}: لتأكيد كمال العدل الرباني؛ فلا يظلم الله أحداً، ولا يهلك إلا من ظلم نفسه واعتدى.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
دوام الاستعاذة من فجاءة نقمة الله وتحول عافيته وسخطه؛ كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو: «اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك».
اليقين بأن التوحيد والعدل هما الحصن الحصين من عقوبات الله الدنيوية والأخروية.